تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٥٢ - هرب يزيد بن المهلب و اخوته من سجن الحجاج
قدرت ان أنت فعلت و انا اعيذك بالله من احتراد قطيعتي، و انتهاك حرمتي و ترك برى و صلتي، فو الله يا امير المؤمنين ما تدرى ما بقائى و بقاؤك، و لا متى يفرق الموت بيني و بينك! فان استطاع امير المؤمنين ادام الله سروره الا ياتى علينا اجل الوفاة الا و هو لي واصل، و لحقي مؤد، و عن مساءتى نازع، فليفعل.
و الله يا امير المؤمنين ما اصبحت بشيء من امر الدنيا بعد تقوى الله فيها باسر منى برضاك و سرورك و ان رضاك مما التمس به رضوان الله، فان كنت يا امير المؤمنين تريد يوما من الدهر مسرتي و صلتي و كرامتي و اعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد، و كل ما طلبته به فهو على.
فلما قرأ كتابه، قال: لقد شققنا على سليمان! ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه و تكلم يزيد فحمد الله و اثنى عليه و صلى على نبيه(ص)ثم قال:
يا امير المؤمنين، ان بلاءكم عندنا احسن البلاء، فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه، و من يكفر فلسنا كافريه، و قد كان من بلائنا اهل البيت في طاعتكم و الطعن في اعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق و المغارب ما ان المنة علينا فيها عظيمه.
فقال له: اجلس، فجلس فآمنه و كف عنه، و رجع الى سليمان و سعى اخوته في المال الذى عليه، و كتب الى الحجاج:
انى لم اصل الى يزيد و اهل بيته مع سليمان، فاكفف عنهم، واله عن الكتاب الى فيهم.
فلما راى ذلك الحجاج كف عنهم و كان ابو عيينه بن المهلب عند الحجاج عليه الف الف درهم، فتركها له، و كف عن حبيب بن المهلب.
و رجع يزيد الى سليمان بن عبد الملك فأقام عنده يعلمه الهيئة، و يصنع له طيب الاطعمه، و يهدى له الهدايا العظام و كان من احسن الناس عنده منزله، و كان لا تأتي يزيد بن المهلب هديه الا بعث بها الى سليمان، و لا تأتي سليمان هديه و لا فائده الا بعث بنصفها الى يزيد بن المهلب،