تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٧٧ - مقتل شوذب الخارجي
و كان ابو شيبان خير مقاتل* * * يرجى و يخشى بأسه من يحاربه
ففاز و لاقى الله بالخير كله* * * و خذمه بالسيف في الله ضاربه
تزود من دنياه درعا و مغفرا* * * و عضبا حساما لم تخنه مضاربه
و اجرد محبوك السراة كأنه* * * إذا انقض وافى الريش حجن مخالبه
فلما دخل مسلمه الكوفه شكا اليه أهلها مكان شوذب، و خوفهم منه و ما قد قتل منهم، فدعا مسلمه سعيد بن عمرو الحرشي- و كان فارسا- فعقد له على عشره آلاف، و وجهه اليه و هو مقيم بموضعه، فأتاه ما لا طاقه له به، فقال شوذب لأصحابه: من كان يريد الله فقد جاءته الشهاده، و من كان انما خرج للدنيا فقد ذهبت الدنيا، و انما البقاء في الدار الآخرة، فكسروا أغماد السيوف و حملوا، فكشفوا سعيدا و اصحابه مرارا، حتى خاف الفضيحة فذمر اصحابه، و قال لهم: ا من هذه الشرذمة لا أبا لكم تفرون! يا اهل الشام يوما كأيامكم! قال: فحملوا عليهم، فطحنوهم طحنا لم يبقوا منهم أحدا، و قتلوا بسطاما و هو شوذب و فرسانه، منهم الريان بن عبد الله اليشكري، و كان من المخبتين، فقال اخوه شمر بن عبد الله يرثيه:
و لقد فجعت بساده و فوارس* * * للحرب سعر من بنى شيبان
اعتاقهم ريب الرمان فغالهم* * * و تركت فردا غير ذي اخوان
كمدا تجلجل في فؤادى حسره* * * كالنار من وجد على الريان
و فوارس باعوا الإله نفوسهم* * * من يشكر عند الوغى فرسان
و قال حسان بن جعدة يرثيهم:
يا عين اذرى دموعا منك تسجاما* * * و ابكى صحابه بسطام و بسطاما
فلن ترى ابدا ما عشت مثلهم* * * اتقى و اكمل في الأحلام أحلاما