تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٤٩ - هرب يزيد بن المهلب و اخوته من سجن الحجاج
بيضاء، و خرج فرآه بعض الحرس فقال: كان هذه مشيه يزيد! فجاء حتى استعرض وجهه ليلا، فراى بياض اللحية، فانصرف عنه، فقال: هذا شيخ و خرج المفضل على اثره، و لم يفطن له، فجاءوا الى سفنهم و قد هيئوها في البطائح، و بينهم و بين البصره ثمانية عشر فرسخا، فلما انتهوا الى السفن أبطأ عليهم عبد الملك و شغل عنهم، فقال يزيد للمفضل: اركب بنا فانه لاحق، فقال المفضل- و عبد الملك اخوه لامه- و هي بهله، هندية:
لا و الله، لا ابرح حتى يجيء و لو رجعت الى السجن فأقام يزيد حتى جاءهم عبد الملك، و ركبوا عند ذلك السفن، فساروا ليلتهم حتى أصبحوا، و لما اصبح الحرس علموا بذهابهم، فرفع ذلك الى الحجاج، و قال الفرزدق في خروجهم:
فلم أر كالرهط الذين تتابعوا* * * على الجذع و الحراس غير نيام
مضوا و هم مستيقنون بأنهم* * * الى قدر آجالهم و حمام
و ان منهم الا يسكن جاشه* * * بعضب صقيل صارم و حسام
فلما التقوا لم يلتقوا بمنفه* * * كبير و لا رخص العظام غلام
بمثل ابيهم حين تمت لداتهم* * * لخمسين قل في جراه و تمام
ففزع له الحجاج، و ذهب و همه انهم ذهبوا قبل خراسان، و بعث البريد الى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم، و يأمره ان يستعد لهم، و بعث الى أمراء الثغور و الكور ان يرصدوهم، و يستعدوا لهم، و كتب الى الوليد بن عبد الملك يخبره بهربهم، و انه لا يراهم أرادوا الا خراسان و لم يزل الحجاج يظن بيزيد ما صنع، كان يقول: انى لاظنه يحدث نفسه بمثل الذى صنع ابن الاشعث.
و لما دنا يزيد من البطائح، من موقوع استقبلته الخيل قد هيئت له و لإخوته، فخرجوا عليها و معهم دليل لهم من كلب يقال له: عبد الجبار بن يزيد بن الربعه، فاخذ بهم على السماوه، و اتى الحجاج بعد يومين، فقيل