تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٩٤ - ذكر الخبر عن مقتل يزيد بن المهلب
قال ابو مخنف: فحدثني عبد الحميد البصرى، ان الحسن البصرى كان يقول في تلك الأيام:
ايها الناس، الزموا رحالكم، و كفوا ايديكم، و اتقوا الله مولاكم، و لا يقتل بعضكم بعضا على دنيا زائله، و طمع فيها يسير ليس لأهلها بباق، و ليس الله عنهم فيما اكتسبوا براض، انه لم تكن فتنه الا كان اكثر أهلها الخطباء و الشعراء و السفهاء و اهل التيه و الخيلاء، و ليس يسلم منها الا المجهول الخفى و المعروف التقى، فمن كان منكم خفيا فليلزم الحق، و ليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدنيا، فكفاه و الله بمعرفة الله اياه بالخير شرفا، و كفى له بها من الدنيا خلفا، و من كان منكم معروفا شريفا، فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا اراده الله بذلك، فواها لهذا! ما اسعده و ارشده و اعظم اجره و اهدى سبيله! فهذا غدا- يعنى يوم القيامه- القرير عينا، الكريم عند الله مآبا.
فلما بلغ ذلك مروان بن المهلب قام خطيبا كما يقوم، فامر الناس بالجد و الاحتشاد، ثم قال لهم:
لقد بلغنى ان هذا الشيخ الضال المرائى- و لم يسمه- يثبط الناس، و الله لو ان جاره نزع من خص داره قصبه لظل يرعف انفه، ا ينكر علينا و على اهل مصرنا ان نطلب حقنا، و ان ننكر مظلمتنا! اما و الله ليكفن عن ذكرنا و عن جمعه إلينا سقاط الأبله و علوج فرات البصره- قوما ليسوا من أنفسنا، و لا ممن جرت عليه النعمه من احد منا- او لانحين عليه مبردا خشنا.
فلما بلغ ذلك الحسن قال: و الله ما اكره ان يكرمني الله بهوانه فقال ناس من اصحابه: لو ارادك ثم شئت لمنعناك، فقال لهم: فقد خالفتكم إذا الى ما نهيتكم عنه! آمركم الا يقتل بعضكم بعضا مع غيرى، و ادعوكم الى ان يقتل بعضكم بعضا دوني! فبلغ ذلك مروان بن المهلب، فاشتد عليهم و اخافهم و طلبهم حتى تفرقوا و لم يدع الحسن كلامه ذلك، و كف عنه مروان بن المهلب