تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٨٣ - ذكر الخبر عن سبب خلعه يزيد بن عبد الملك و ما كان من امره و امر يزيد في هذه السنه
يمنعوك شيئا طلبت فيه الامان على نفسك و اهلك و مالك.
فقال له يزيد: اما قولك: ان بقاءك بقائى، فلا أبقاني الله حسوة طائر مذعور ان كنت لا يبقينى الا بقاؤك، و اما قولك: ان هلاكك مطلوب به من جرته يده، فو الله لو كان في يدي من اهل الشام عشره آلاف انسان ليس فيهم رجل الا اعظم منزله منك فيهم، ثم ضربت أعناقهم في صعيد واحد، لكان فراقي إياهم و خلافي عليهم اهول عندهم و اعظم في صدورهم من قتل أولئك، ثم لو شئت ان تهدر لي دماؤهم، و ان احكم في بيوت أموالهم، و ان يجوزوا لي عظيما من سلطانهم، على ان أضع الحرب فيما بيني و بينهم لفعلوا، فلا يخفين عليك ان القوم ناسوك لو قد وقعت أخيارنا اليهم، و ان اعمالهم و كيدهم لا يكون الا لأنفسهم، لا يذكرونك و لا يحلفون بك و اما قولك: تدارك امرك و استقله و افعل و افعل، فو الله ما استشرتك، و لا أنت عندي بواد و لا نصيح، فما كان ذلك منك الا عجزا و فضلا، انطلقوا به، فلما ذهبوا به ساعه قال: ردوه، فلما رد قال: اما ان حبسى إياك ليس الا لحبسك بنى المهلب و تضييقك عليهم فيما كنا نسألك التسهيل فيه عليهم، فلم تكن تالو ما عسرت و ضيقت و خالفت، فكانه لهذا القول حين سمعه امن على نفسه، و أخذ عدى يحدث به كل من دخل عليه.
و كان رجل يقال له السميدع الكندى من بنى مالك بن ربيعه من ساكنى عمان يرى راى الخوارج، و كان خرج و اصحاب يزيد و اصحاب عدى مصطفون فاعتزل و معه ناس من القراء، فقال طائفه من اصحاب يزيد و طائفه من اصحاب عدى: قد رضينا بحكم السميدع ثم ان يزيد بعث الى السميدع فدعاه الى نفسه، فأجابه، فاستعملوا يزيد على الأبله، فاقبل على الطيب و التخلق و النعيم، فلما ظهر يزيد بن المهلب هرب رءوس اهل البصره من قيس و تميم و مالك بن المنذر، فلحقوا بعبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفه، و لحق بعضهم بالشام، فقال الفرزدق: