تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٦٥ - خبر هزيمه ابن الاشعث بدير الجماجم
امرئ بما فيه ممن كنا احسنا اليه، فاشتمه بقله شكره و لؤم عهده، و من علمت منه عيبا فعبه بما فيه، و صغر اليه نفسه و كان لا يبايعه احد الا قال له:
ا تشهد انك قد كفرت؟ فإذا قال: نعم، بايعه و الا قتله، فجاء اليه رجل من خثعم قد كان معتزلا للناس جميعا من وراء الفرات، فسأله عن حاله فقال: ما زلت معتزلا وراء هذه النطفه منتظرا امر الناس حتى ظهرت، فأتيتك لأبايعك مع الناس، قال: ا متربص! ا تشهد انك كافر؟ قال:
بئس الرجل انا ان كنت عبدت الله ثمانين سنه ثم اشهد على نفسي بالكفر، قال: إذا اقتلك، قال: و ان قتلتني فو الله ما بقي من عمرى الا ظمء حمار، و انى لانتظر الموت صباح مساء قال: اضربوا عنقه فضربت عنقه، فزعموا انه لم يبق حوله قرشي و لا شامي و لا احد من الحزبين الا رحمه و رثى له من القتل.
و دعا بكميل بن زياد النخعى فقال له: أنت المقتص من عثمان امير المؤمنين؟ قد كنت أحب ان أجد عليك سبيلا، فقال: و الله ما ادرى على أينا أنت أشد غضبا؟ عليه حين اقاد من نفسه، أم على حين عفوت عنه؟ ثم قال: ايها الرجل من ثقيف، لا تصرف على أنيابك، و لا تهدم على تهدم الكثيب، و لا تكثر كشران الذئب، و الله ما بقي من عمرى الا ظمء الحمار، فانه يشرب غدوه و يموت عشيه، و يشرب عشيه و يموت غدوه، اقض ما أنت قاض، فان الموعد الله، و بعد القتل الحساب قال الحجاج: فان الحجه عليك، قال: ذلك ان كان القضاء إليك، قال: بلى، كنت فيمن قتل عثمان، و خلعت امير المؤمنين، اقتلوه فقدم فقتل، قتله ابو الجهم بن كنانه الكلبى من بنى عامر بن عوف، ابن عم منصور بن جمهور.
و اتى باخر من بعده، فقال الحجاج: انى ارى رجلا ما اظنه يشهد على نفسه بالكفر، فقال: ا خادعى عن نفسي! انا اكفر اهل الارض، و اكفر من فرعون ذي الأوتاد، فضحك الحجاج و خلى سبيله.
و اقام بالكوفه شهرا، و عزل اهل الشام عن بيوت اهل الكوفه.