تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٠٧ - ذكر خبر قتل مصعب المختار بن ابى عبيد
ان ينصركم الله، فضعفوا و عجزوا، فقال لهم المختار: اما انا فو الله لا اعطى بيدي و لا احكمهم في نفسي و لما راى عبد الله بن جعدة بن هبيرة ابن ابى وهب ما يريد المختار تدلى من القصر بحبل، فلحق بأناس من اخوانه، فاختبا عندهم ثم ان المختار ازمع بالخروج الى القوم حين راى من اصحابه الضعف، و راى ما باصحابه من الفشل، فأرسل الى امراته أم ثابت بنت سمره بن جندب الفزارى، فأرسلت اليه بطيب كثير، فاغتسل و نحنط، ثم وضع ذلك الطيب على راسه و لحيته، ثم خرج في تسعه عشر رجلا، فيهم السائب بن مالك الأشعري- و كان خليفته على الكوفه إذا خرج الى المدائن- و كانت تحته عمره بنت ابى موسى الأشعري، فولدت له غلاما، فسماه محمدا، فكان مع ابيه في القصر، فلما قتل أبوه و أخذ من في القصر وجد صبيا فترك، و لما خرج المختار من القصر قال للسائب: ما ذا ترى؟ قال: الرأي لك، فما ذا ترى؟ قال: انا ارى أم الله يرى! قال: الله يرى، قال: ويحك! احمق أنت! انما انا رجل من العرب رايت ابن الزبير انتزى على الحجاز، و رايت نجده انتزى على اليمامه، و مروان على الشام، فلم أكن دون احد من رجال العرب، فأخذت هذه البلاد، فكنت كأحدهم، الا انى قد طلبت بثار اهل بيت النبي(ص)إذ نامت عنه العرب، فقتلت من شرك في دمائهم، و بالغت في ذلك الى يومى هذا، فقاتل على حسبك ان لم تكن لك نيه، فقال: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»، و ما كنت اصنع ان اقاتل على حسبي! فقال المختار عند ذلك يتمثل بقول غيلان بن سلمه بن معتب الثقفى:
و لو يراني ابو غيلان إذ حسرت* * * عنى الهموم بأمر ما له طبق
لقال رهبا و رعبا يجمعان معا* * * غنم الحياه و هول النفس و الشفق
اما تسف على مجد و مكرمه* * * او أسوة لك فيمن تهلك الورق
فخرج في تسعه عشر رجلا فقال لهم: ا تؤمنونى و اخرج إليكم؟ فقالوا:
لا، الا على الحكم، فقال: لا احكمكم في نفسي ابدا، فضارب بسيفه حتى قتل، و قد كان قال لأصحابه حين أبوا ان يتابعوه على الخروج معه: