التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩١ - ثالثا الاصلاح والاحترام المتبادل
عيوبهم. والتجسس هو البحث عن عورات الناس بمتابعتهم وكشف أستارهم. وروي عن أبي بردة، أن النبي صلى الله عليه وآله صلى بنا ثم انصرف مسرعاً حتى وضع يده على باب المسجد، ثم نادى بأعلى صوته: يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الايمان الى قلبه؛ لا تتبعوا عورات المؤمنين، فإنّه من تتبع عورات المؤمنين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه، ولو في جوف بيته. [١]
وروي عن الامام الصادق عليه السلام، أنه قال: إذا رأيتم العبد متفقداً لذنوب الناس ناسياً لذنوبه، فاعلموا أنه قد مكر به. [٢]
وهكذا يريد الدين لنا حياة آمنة، لا تطالها أعين الفضول، ولا تهتك حرمتها متابعات الطفيليين .. يتحسس كل فرد فيها ببرد الأمنة وسكينة الثقة.
وكما تحرم الآية التجسس الفردي، تحرم تجسس الدولة على رعاياها، إلّا إذا اقتضت مصلحة الأمة، فلابد أن يخضع ذلك للقضاء القائم على أساس احكام الشريعة.
وقد فهم المسلمون السابقون هذه الشمولية من الآية الكريمة، حسب ما نجده في القصة التاريخية التي حدثت في عهد الخليفة الثاني الذي خرج وعبد الرحمن يعسان، إذ تبينت لهما دار فاستأذنا ففتح الباب، فاذا رجل وامرأة تغني وعلى يد الرجل قدح. فقال عمر: وأنت بهذا يا فلان؟! فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر: فمن هذه منك؟ قال: إمرأتي. قال: فما هذا القدح؟ قال: ماء زلال. فقال للمرأة وما الذي تغنّين؟ فقالت:
تطاول هذا الليل واسود جانبه
وأرّقني إلّا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله أني أراقبه
لزعزع من هذا السرير جوانبه
ولكن عقلي والحياء يكفني
وأكرم بعلي أن تنال مراكبه
ثم قال الرجل: ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين. قال الله تعالى: ولا تجسسوا. قال صدقت. [٣]
[١] بحار الأنوار/ ج ٧٥/ ص ٢١٥.
[٢] المصدر.
[٣] القرطبي/ ج ١٦/ ص ٣٣٤.