التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨١ - جيم الضرر والتعسف في استعمال الحق
ثالثاً/ واحاديث نفي الضرر، لاتخرج من اطار الآيات الكريمة حول القسط والعدل. فمن هنا تزداد الاحاديث وضوحاً بالتدبر في تلك الآيات، كما نزداد معرفة بابعاد الآيات بدراسة احاديث الضرر.
وهكذا ينبغي ان نلاحظ قيمة العدل كميزان عند الشك في حكم فقهي معين. وواضح ان العدل المطلوب اقامته هو العدل الشامل لكل البشر، ممن احترم الشرع نفسه وماله وسائر حقوقه. فإذا تعارضت مصالح البشر مع بعضهم، كان على الحاكم ان يلاحظ حقوقهم جميعاً. فلا يحكم لأحد ضد الآخر، ولا يلاحظ مصلحة طائفة على حساب مصالح الآخرين. فربما اقتضت مصلحة المالك للنخلة في بستان ان يمر عليها في أي وقت يشاء، إلّا انه لو تضرر الساكن في طريق البستان وجب ان يستأذنه، وإلّا كان مضاراً كما كان سمرة بن جندب مضاراً لمصلحة الانصاري. وإذا كان لصاحب البيت الحق في نصب ميزابه على الطريق العام، فان من حق المارة المتضرّرين بالميزاب ان يمنعوه، وعلى الحاكم ان يبحث عن حل وسط يضمن مصلحة صاحب البيت والمارة معاً.
واحاديث نفي الضرر- كما آيات العدل- تقتضي نفي الضرر بأي قدر كان. ومعنى ذلك ضرورة تقليل نسبة الضرر الى اقل قدر ممكن؛ ليس بالنسبة الى شخص واحد او طائفة واحدة، بل بالنسبة الى جميع البشر الذين احترم الشرع حقوقهم.
وهكذا نجد ان الرسول صلى الله عليه وآله أمر بمراضاة الشخص المضار، ولكنه حينما لم يرض أمر بقطع النخلة التي كانت سبباً للاضرار بالانصاري.
ولان الميزان مصلحة الكل وضرورة اقامة القسط بالنسبة اليهم جميعاً، فإن الشارع قد يقدم مصلحة المالك وقد يراعي مصلحة الآخرين. فلو افترضنا قطع متجاورة من الارض تعود لملّاكين مختلفين، وكل مالك يريد ان يزرع نوعاً من المحصول في قطعته؛ فأحدهم يريد زراعة الرز، بينما يريد الثاني زراعة الشعير، إلّا ان منسوب المياه المرتفع في زراعة الرز يضر
بزراعة الحنطة، فماذا نفعل؟ فاذا منعنا المالك من زراعة أرضه بالرز- ألحقنا به ضرراً-، أوليس الناس مسلطون على اموالهم؟ اما إذا سمحنا له بذلك ألحقنا بجاره ضرراً.