التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٠ - القرآن يحدد الطيب
هذا ما نفهمه من الآيات القرآنية، وهذا كما ترى يتصل بالوحي والعقل والطبع. فاذا حرّم الوحي شيئاً، فهو غير طيب (كالخنزير). وإذا كان شيء مضراً او نكداً او ناقصاً، وفهمنا ذلك من عقولنا ومعارفنا، فهو غير طيب (كالريح الضارة او كالسم والمخدرات والاشياء العفنة،
وحتى الميتة والدم والغائط). وإذا كان الشيء غير ملائم لطبع الانسان (مثل المرأة الدميمة او الريح النتنة او ما أشبه)، فهو ايضاً غير طيب بالنسبة الى الشخص نفسه.
ويمكن ان نستفيد هذا المعيار الذاتي لكلمتي الطيب والخبيث من قوله سبحانه: يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِنَ الأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِاخِذِيهِ إِلآَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (البقرة/ ٢٦٧)
حيث ان المعلوم أن الخبيث هنا ليس الميتة او الدم، وإلّا لم يكن قابلًا للانفاق، بل المعيوب والناقص وما أشبه.
قال الفخر الرازي: اختلفوا في المراد بالطيب في هذه الآية على قولين؛ (القول الأول): انه الجيد من المال دون الرديء. فاطلق لفظ الطيب على الجيد على سبيل الاستعارة. ثم قال: (القول الثاني): الطيب هو الحلال، والخبيث هو الحرام. ثم قال: ويمكن ان يذكر فيه قول ثالث، وهو ان المراد من الطيب هنا ما يكون طيباً من كل الوجوه، فيكون طيباً بمعنى الحلال، ويكون طيباً بمعنى الجودة. [١]
وفي احاديث أهل البيت عليهم السلام تفسير الطيب مرة بالجيد ومرة بالحلال، حيث روي عن الامام الصادق عليه السلام ما محتواه؛ ان البعض من المسلمين كان يأتي بأردئ التمر للزكاة (فنزلت الآية). وفي رواية اخرى عنه عليه السلام، ما مضمونه؛ ان القوم كانوا قد كسبوا مكاسب سوء في الجاهلية، فلما اسلموا ارادوا أن يخرجوها من أموالهم ليتصدقوا بها (فنزلت الآية). [٢]
[١] التفسير الكبير/ ج ٧/ ص ٦٦.
[٢] راجع تفسير الميزان/ ج ٣/ ص ٤٠٣.