التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٠ - باء الصحة والضرر البالغ
عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (النساء/ ٢٩) وقال جل وعلا: وَأَنْفِقُوْا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِايْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة/ ١٩٥)
وهذه الحرمة تنسحب كثيراً الى حرمة الاسباب المؤدية اليها، ومنها الاهمال المتعمد الذي يؤدي الى الوفاة، او الى نقص عضو او فقد قدرة، وهكذا.
يمكن ان يستدل بهذه الأدلة ايضاً على ضرورة المحافظة على الحياة. وقاعدة الاستدلال الاساسية قائمة على ان عقل البشر، يحكم- لاريب- بان كل انسان مسؤول عن نفسه، ويجب عليه المحافظة عليها. وفي الشرع ما يدل عى ذلك ايضاً. فاذاً؛ إهمال الانسان لهذا الواجب يستتبع مسؤوليته، وهو عين إلقاء النفس في التهلكة. وبتعبير آخر؛ ان حرمة إلقاء
النفس في التهلكة، تعني وجوب المحافظة عليها عرفاً. فمن قصّر في حفظ نفسه، وهو عالم قادر على ذلك، اعتبر مهلكاً لها عرفاً. والله العالم.
وهكذا استنبط الفقهاء وجوب حفظ النفس من مجمل النصوص الشرعية، وبناءاً على ذلك تجب من الصحة ما يحافظ على النفس وعلى الاطراف.
قال في الجواهر في باب التيمم، نقلًا عن الشيخ في المنتهى: لو اجنب مختاراً وخشي البرد تيمم عندنا، وهو الحجة (الاجماع) مضافاً الى اطلاق وإنْ كُنْتُم مَرْضى. ونفي العسر
والحرج والضرر، وارادة اليسر ورفع الضرر المظنون، والنهي عن الالقاء في التهلكة وقتل النفس. ثم قال: وبأهمية حفظ النفوس والابدان عند الشارع، من حفظ الاديان. [١]
ومثل هذا التعبير تجده في كثير من ابواب الفقه، ويبدو ان فقهاءنا يرسلون ضرورة حفظ النفس، والاطراف ارسال المسلّمات، فلا ينبغي الشك في هذه المسألة.
باء: الصحة والضرر البالغ
هناك انواع من المرض قد لا تؤدي الى الوفاة او الى نقص عضو او فقدان قوة، ولكنها تؤدي الى ضرر بالغ؛ مثلًا الابتلاء بمرض السكري. فقد لا يعني الوفاة، بل يمكن التعايش
[١] جواهر الكلام (طبعة بيروت)/ ج ٢/ ص ٢٧٧.