التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٤ - أولا بين الحب والقيم المادية
الانصار. ومن جهة اخرى استغلوا القسمة لهدف ايجاد الاختلاف والفرقة بين المؤمنين، بالذات بين المهاجرين والانصار. وطالما اظهر المنافقون وعلى رأسهم عدو الله ابن أبيّ للانصار، انهم يريدون خيرهم من وراء موقفهم، وطالما استثاروا فيهم الوطنية وشح النفس ليكسبوهم. ولكن الانصار رفضوا ذلك، لانهم كانوا اصحاب البصيرة النافذة، والايمان الرفيع، والتسليم المطلق لقيادة الحق.
اما الرسول فقد جمعهم، وقال: ان شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم واموالكم، وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم (أي اساوي بينكم)، وان شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم واموالكم (اي يخرجون من اموالكم ودوركم). فقالوا: لا؛ بل نقسم لهم من ديارنا واموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة. [١])
وهكذا تنتصر كل امة على محاولات التفرقة حينما تتبع قائدها، وتلتزم بالقيم الحق، وتعيش فيما بينها الالفة والحق والاخاء. وقد سجل ربنا هذا الموقف الجليل كرامة للانصار، وليكون نموذجاً لما يصنعه الاسلام بالنفوس، وليبين للبشرية جيلًا بعد جيل وللامة الاسلامية بالذات سر انتصاراتها في التاريخ، وان الرعيل الاول من المخلصين انما قاد العالم بهذه الروح الايمانية السامية
ونستوحي من الآية:
الف: انه اذا انتصر المؤمنون في بلد، وكوّنوا المجتمع الاسلامي، فلا يعني ان أهل تلك البلاد من المسلمين هم افضل من غيرهم. فلا يجوز ان يستأثروا بالمكاسب، او يفرضوا وصايتهم على غيرهم. كلا؛ فكل ما عند المؤمنين حتى انفسهم، ملك للاسلام ولاهله، الذين هم اخوانهم. وينبغي لهم ان لايأخذهم غرور الانتصار، او العجب بالنفس، بل يفعلون كما فعل الانصار. فلقد بلغ بهم الايمان والحب لاخوانهم ان آثروهم على انفسهم، لانهم انتموا للاسلام ابتغاء فضل الله ورضوانه وليس بحثاً عن المكاسب المادية، ولانهم كانوا يقدرون ظروف اخوانهم
المهاجرين، حيث ضحوا بأموالهم وبيوتهم ومستقبلهم المادي من اجل الدين، وحباً في الانتماء اليهم، وضم جهودهم وطاقاتهم اليهم لتقوية مجتمع الحق وجبهته
[١] نور الثقلين/ ج ٥/ ص ٢٨٤.