التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٣ - جيم الضرر والتعسف في استعمال الحق
أولًا/ وهذا ما يطلق عليه في الفقه ب- (التصرف المتعارف). فالبناء المتعارف (مثلًا في منطقة البيوت ثلاث طوابق، وفي منطقة العمارات خمس طوابق حسب ماهو المتعارف في المنطقة). والضوضاء على قدر المتعارف (مثلًا الحديث مع بعضهم بصوت عادي)، والاستضافة على قدر المتعارف (مثلًا في كل اسبوع زيارة الأقارب، وفي كل شهر زيارة الضيوف، وفي مناسبة العرس والعزاء زيارة عامة). وفي هذه الأحوال يغتفر عند العرف تضرر الجيران ببعض الأذى. أما إذا كان البناء غير متعارف (مثل عشر طوابق بحيث يمنع النور عن جاره)، والضوضاء غير متعارف (كأن يضع سماعة في بيته تزعج الجيران)، والاستضافة بغير ماهو متعارف (مثل زيارة عامة يومية) .. فان ذلك لايعد حقاً له في بيته، وإذا منعناه فقد منعنا تسلط الفرد على جيرانه، وليس على ماله.
ثانياً/ الضرورة؛ فإذا كان المالك مضطراً لحفر بالوعة غير متعارفة يتضرر بها الجار، فإن هذه الحاجة قد تبرر فعله. إلّا أن الضرر الذي يلحق جاره بسبب فعله يجب ان يلاحظ؛ فان كان مباشراً، كأن يكون المالك مضطراً لإطفاء حريق شب في بيته الى ان يجري الماء فيه مما يسبب في هدم بيت جاره، فهنا لابد له ان يدفع الضرر اللاحق بجاره. وقد لايكون مباشراً، كأن يمنع المالك عن أرضه السيل فينساب الماء الى أرض مجاورة. فاذا تضرر الجار فانما بالسيل تضرر، وليس بمنع الجار الماء عن أرضه.
ومن الضرورة ان يكون المالك بحيث لولم يتصرف في ماله تحمل الضرر بقدر ضرر جاره. فهنا يتساوى الضرران وتتقدم مصلحة المالك، لان له حق التصرف في ملكه؛ مثل ان يكون
المالك مضطراً لحفر بئر في أرضه لسقاية مزرعته، ولكنه لوفعل ذلك لم يقدر جاره ان يحفر بئراً لسقاية مزرعته. وهنا تتقدم مصلحة صاحب الأرض.
والأفضل وضع قانون عام ينظم استفادة كل مالك من حقوقه بما لايضر غيره. وهذا ما ذهبت اليه الانظمة البلدية والقروية الحديثة، حيث حددت سبل استخدام حق الملكية بما لا يتضرر الآخرون، تحت عنوان: التعسف في استخدام الحق.
وقد توسع القانون المدني في الأخذ بمبدء التعسف، لمنع من له السلطة من استخدام سلطته بصورة يضر بالآخرين، كاستخدام المالك لحقه او الحاكم لمنصبه أو رب العمل