التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٥ - جيم الضرر والتعسف في استعمال الحق
مما يعتبر انحرافاً عن السلوك المألوف للشخص العادي. فقد يقصد شخص- وهو يستعمل حقه- ان يضر بغيره، ولكن لتحقيق مصلحة مشروعة لنفسه، ترجح رجحاناً كبيراً على الضرر الذي يلحقه بالغير. فقصد الاضرار بالغير في هذه الحالة لايعتبر تعسفاً، إذ ان صاحب الحق- بهذا التصرف- لم ينحرف عن السلوك المألوف للشخص العادي. [١]
والواقع؛ إن هذا التفسير يقرب هذا المعيار من كلمات الفقهاء، حيث جعلوا الاستعمال المتعارف معياراً لعدم التعسف. كما ان مجرد قصد الاضرار لايمكن ان يكون معياراً، بل
الاضرار بذاته هو المعيار الذي نجده في حديث النبي صلى الله عليه وآله، حيث خاطب سمرة بن جندب وقال له: أنت رجل مضار .. فإذا كان هناك سبيلان لاستعمال الحق؛ احدهما لاينطوي على ضرر بالاخرين، والسبيل الآخر يضر بهم فاختاره. فهو مضار، وهو متعسف في استعمال حقه.
اما المعيار الثاني؛ فهو الذي اعتبرناه أفضل معيار انطلاقاً من مبدء العدل وتطبيقاً لحديث" لا ضرر"، حيث ان الضرر المنفي ليس ضرراً خاصاً بشخص المالك، بل يعم كل الناس. فاذا تضرر الجار مثلًا بهدم الحائط الذي يفصل بين بيته وبين مالك البيت ضرراً بالغاً، ولم يكن للمالك مصلحة هامة في هدمه، فإن ذلك يعتبر من الضرر المنفي بالحديث الشريف.
كما انه لو تضرر الناس بسياقة سيارتك بسرعة او باحداث ضوضاء في الشارع، او باضاءة كشافة باهرة في بيتك وما أشبه .. فليس لك ان تفعل ذلك، لانه تعسف.
أما المعيار الثالث؛ والذي يشرحه السنهوري بقوله: كل حق له هدف اجتماعي معين، فإذا انحرف صاحب الحق في استعمال حقه عن هذا الهدف كان متعسفاً. [٢]
إنه معيار هام يتفق مع قيم الشريعة، ولكنه لا يرتبط بموضوع العدل وحده، بل بكل الحكم والعلل التي بيّنها الشرع للاحكام الدينية.
[١] الوسيط في شرح القانون المدني/ ج ١/ ص ٨٤٤.
[٢] المصدر/ ص ٨٤٧.