التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٩ - ثالثا الاصلاح والاحترام المتبادل
وهذه الآية تعالج هذا النوع، والذي يبدأ بسوء الظن الذي تثيره وساوس الشيطان، ويتنامى عادة بين المؤمنين في غيبة بعضهم عن البعض. ثم تتحدث عن التجسس، ثم عن الغيبة. فهذه حقائق الآية:
أ- الظن هو التصور الذي ينقصه الدليل، وإن كثيراً من هذا الظن باطل وبعضه يصبح اثماً. كيف ذلك؟
إن قلب الانسان يتعرض لأمواج مختلفة من الهواجس والتصورات، وإن بعضها فقط هي الحق وهي التي تنبعث من مصادر المعارف الخارجية، بينما البقية هي قياسات باطلة وتمنيات ووساوس وإفرازات الهوى ونتائج الاحباطات و .. و .. وإذا راجعت نفسك يوماً وحاولت إحصاء وتقييم كل تصوراتك تقييماً سليماً، فيومئذ تصل الى هذه النتيجة، ان اكثرها لا تعتمد على أدلة مقنعة. ولكن أنى للانسان ان يقيّم كل ما يتعرض له ذهنه كل يوم، من أمواج التصورات المتلاحقة. فماذا علينا أن نفعل؟
علينا ألّا نأبه بأي تصور يحيكه ذهننا، بل نعتمد فقط على المصادر الموثوقة للمعرفة. لذلك فان علينا ان نجتنب كثيراً من الظن، اما القليل الذي نسعى وراءه فهو الذي تفرزه الحواس،
ويصدقه العقل، ويصمد أمام النقد الدقيق. أما الظن الآثم، فهو الذي تفرزه حالات الحقد والغضب والصراع .. ولكن المشلكة ان هذه المجموعة الصغيرة متناثرة بين سائر الظن الكثير، مما يجعلنا لا نطمأن اليه جميعاً. كما لو كان بعض الناس في بلد حاملًا لفيروس الايدز، ولكننا لا نعرفهم بأعيانهم، فعلينا ان نجتنب كل أهل هذا البلد حتى يتميّزوا عن بعضهم.
من هنا نجد الامام علي عليه السلام يكرر في وصاياه هذه الكلمة، بعد أن سئل عن المسافة بين الحق والباطل، فقال: أربع أصابع. ووضع أمير المؤمنين يده على أذنه وعينه، فقال: ما رأته عيناك فهو الحق، وما سمعته أذناك فأكثره باطل. [١]
ولأن كثيراً من الظنون تطال المؤمنين بسبب أعمالهم التي قد يكون لهم عذر وجيه في القيام بها، فقد أمرنا الدين بأن نحمل أفعال إخواننا على أفضل محمل. قال أمير المؤمنين
[١] بحار الأنوار/ ج ٧٥/ ص ١٩٦.