مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٩١ - ٩٩ وصيّته
وَالعُجبُ وَالفَخرُ.
يا هِشامُ؛ أصلَحُ أيّامِكَ الَّذي هُوَ أمامَكَ فَانظُر أيَّ يَومٍ هُوَ وَأَعِدَّ لَهُ الجَوابَ؛ فَإِنَّكَ مَوقوفٌ وَمَسؤولٌ، وَخُذ مَوعِظَتَكَ مِنَ الدَّهرِ وَأهلِهِ، فَإِنَّ الدَّهرَ طَويلُهُ قَصيرُهُ، فاعمَل كَأَنَّكَ تَرى ثَوابَ عَمَلِكَ لِتَكونَ أطمَعَ في ذلِكَ، وَاعقِل عَنِ اللَّهِ، وَانظُر في تَصَرُّفِ الدَّهرِ وَأحوالِهِ؛ فَإِنَّ ما هُوَ آتٍ مِنَ الدُّنيا كَما وَلّى مِنها، فَاعتَبِر بِها. وَقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ ٧: إنَّ جَميعَ ما طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ في مَشارِقِ الأَرضِ وَمَغارِبِها، بَحرِها وَبَرِّها وَسَهلِها وَجَبَلِها عِندَ وَلِيٍّ مِن أولياءِ اللَّهِ وَأهلِ المَعرِفَةِ بِحَقِّ اللَّهِ كَفَي ءِ الظِّلالِ، ثمّ قالَ ٧: أَوَلا حُرٌّ يَدَعُ هذهِ اللُّمّاظَةَ لِأَهلِها [١]، يَعني الدُّنيا، فَلَيسَ لِأَنفُسِكُم ثَمَنٌ إلّا الجَنَّةُ، فَلا تَبيعوها بِغَيرِها؛ فَإِنَّهُ مَن رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالدُّنيا فَقَد رَضِيَ بِالخَسيسِ.
يا هِشامُ؛ إنَّ كُلَّ النّاسِ يُبصِرُ النُّجومَ، وَلَكِن لا يَهتَدي بِها إلّامَن يَعرِفُ مَجاريها ومَنازِلِها، وَكَذلِكَ أنتُم تَدرُسونَ الحِكمَةَ، وَلكِن لا يَهتَدي بِها مِنكُم إلّامَن عَمِلَ بِها.
يا هِشامُ، إنَّ المَسيحَ ٧ قال للحواريّين: يا عَبيدَ السّوءِ، يَهولُكُم [٢] طولُ النَّخِلَةِ وَتَذكُرونَ شَوكَها وَمَؤونَةَ مَراقيها، وَتَنسَونَ طيبَ ثَمَرِها وَمَرافِقَها [٣] كَذلِكَ تَذكُرونَ مَؤونَةَ عَمَلِ الآخِرَةِ فَيَطولُ عَلَيكُم أمَدُهُ [٤]، وَتَنسَونَ ما تُفضونَ إلَيهِ مِن نَعيمِها وَنَورِها، وَثَمَرِها، يا عبيدَ السّوءِ نَقّوا القَمحَ وَطَيِّبوهُ، وَأدِقّوا طَحنَهُ تَجِدوا طَعمَهُ، وَيُهنِئُكُم أكلُهُ، كَذلِكَ فَأَخلِصوا الإيمانَ وَأكمِلوهُ تَجِدوا حَلاوَتَهُ وَيَنفَعُكُم غِبُّهُ [٥]، بِحَقٍّ أقولُ لَكُم: لَو وَجَدتُم سِراجاً يَتَوَقَّدُ بالقَطِرانِ [٦] في لَيلَةٍ مُظلِمَةٍ
[١]. اللّمّاظة- بالضّمّ-: بقيّة الطّعام في الفم. و أيضاً بقية الشّيء القليل.
[٢]. يهولكم: أي يفزعكم و عظم عليكم.
[٣]. مؤونة المراقى: شدّة الارتقاء. و المرافق: المنافع؛ و هي جمع مرفق- بالفتح-: ما انتفع به.
[٤]. الأمد: الغاية و منتهى الشّيء، يقال: طال عليهم الأمد أي الأجل. و النّور- بالفتح-: الزّهرة.
[٥]. الغِبّ- بالكسر-: العاقبة. و أيضاً بمعنى البعد.
[٦]. القطران- بفتح القاف و سكون الطّاء و كسرها أو بكسر القاف و سكون الطّاء-: سيّال دهني شبيه النّفط، يتّخذ من بعض الأشجار كالصّنوبر و الأرز فيهنأ به الإبل الجربى و يسرع فيه اشعال النّار.