مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٩٢ - ٩٩ وصيّته
لاستَضَأتُم بِهِ ولَم يَمنَعكُم مِنهُ ريحُ نَتنِهِ [١]، كذلِكَ يَنبَغي لَكُم أن تَأخُذوا الحِكمَةَ مِمَّن وَجَدتُموها مَعَهُ وَلا يَمنَعكُم مِنهُ سوءُ رَغَبتِهِ فيها. يا عَبيدَ الدُّنيا؛ بِحَقٍّ أقولُ لَكُم: لا تُدرِكونَ شَرَفَ الآخِرَةِ إلّا بِتَركِ ما تُحِبّونَ فَلا تَنظُروا بِالتَّوبَةِ غَداً؛ فَإِنَّ دونَ غَدٍ يَوماً وَلَيلَةً، وَقَضاء اللَّهِ فيهِما يَغدو وَيَروحُ بِحَقٍّ أقولُ لَكُم: إنَّ مَن لَيسَ عَلَيهِ دَينٌ مِنَ النّاسِ أروَحُ وَأَقَلُّ هَمّاً مِمَّن عَلَيهِ الدَّينُ، وَإِن أحسَنَ القَضاءَ، وَكَذلِكَ مَن لَم يَعمَل الخَطيئَةَ أروَحُ هَمّاً مِمَّن عَمِلَ الخَطيئَةَ، وَإن أخلَصَ التَّوبَةَ وَأنابَ وَإنَّ صِغارَ الذُّنوبِ وَمُحَقَّراتِها مِن مكائِدِ إبليسَ، يُحَقِّرُها لَكُم وَيُصَغِّرُها في أعيُنِكُم فَتَجتَمِعُ وَتَكثُرُ فَتُحيطُ بِكُم، بِحَقٍّ أقولُ لَكُم: إنَّ النّاسَ في الحِكمَةِ رَجُلانِ: فَرَجُلٌ أتقَنَها بِقَولِهِ وَصَدَّقَها بِفِعلِهِ، وَرَجُلٌ أتقَنَها بِقَولِهِ وَضَيَّعَها بِسوءِ فِعلِهِ، فَشَتّانَ بَينَهُما.
فَطوبى لِلعُلماءِ بِالفِعلِ، وَوَيلٌ لِلعُلَماءِ بِالقَولِ، يا عَبيدَ السّوءِ اتَّخِذوا مساجِدَ رَبِّكُم سُجوناً لِأَجسادِكُم وَجباهِكُم، وَاجعَلوا قُلوبَكُم بُيوتاً لِلتّقوى، وَلا تَجعَلوا قُلوبَكُم مَأوى لِلشّهَواتِ، إنّ أجزَعَكُم عِندَ البَلاءِ لَأَشَدَّكُم حُبّاً لِلدُّنيا وَإنَّ أصبَرَكُم عَلَى البَلاءِ لَأَزهَدَكُم فِي الدُّنيا، يا عَبيدَ السّوءِ؛ لا تَكونوا شَبيهاً بِالحِداءِ الخاطِفَةِ [٢]، وَلا بِالثَّعالِبِ الخادِعَةِ، وَلا بِالذِّئابِ الغادِرَةِ [٣]، وَلا بِالاسدِ العاتِيَةِ [٤]، كَما تَفعَلُ بِالفَرائِسِ، كَذلِكَ تَفعَلونَ بِالنّاسِ فَريقاً تَخطِفونَ وَفَريقاً تَخدَعونَ، وَفَريقاًتَغدُرونَ بِهِم، بِحَقٍّ أقولُ لَكُم: لا يُغني عَنِ الجَسَدِ أن يَكونَ ظاهِرُهُ صَحيحاً وَباطِنُهُ فاسِداً، كَذلِكَ لا تُغني أجسادُكُم الّتي قَد أعجَبَتكُم، وَقَد فَسَدَت قُلوبُكُم، وَما يُغني عَنكُم أن تُنَقّوا جُلودَكُم وَقُلوبَكُم دَنِسَةٌ. لا تَكونوا كالمُنخُلِ [٥] يَخرُجُ مِنهُ الدّقيقُ الطَّيِّبُ وَيُمسِكُ النُّخالَةَ، كَذلِكَ أنتُم تُخرِجونَ
[١]. نتنه: أي خبث رائحته.
[٢]. الحداء- بالكسر-: جمع حدأة- كعنبة-: طائر من الجوارح و هو نوع من الغُراب يخطف الأشياء و الخاطفة من خطف الشّيء يخطف كعلم يعلم-: استلبه بسرعة.
[٣]. الغادرة: الخائنة.
[٤]. و العاتي: الجبّار.
[٥]. المنخل- بضمّ الميم و الخاء أو بفتح الخاء-: ما ينخل به. و النخالة- بالضّمّ-: ما بقى في المنخل من القشر و نحوه.