مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٢ - ٥ كتابه
فَيَخرُجُ مُستَقِلًّا في الهَواءِ يَجتَمِعُ بَعدَ تَفَرُّقِهِ وَيَلتَحِمُ بَعدَ تَزايُلِهِ، تُفَرِّقُهُ الرّياحُ مِنَ الجِهاتِ كُلّها إلى حَيثُ تَسوقُهُ بِإذنِ اللَّهِ رَبِّها، يَسفُلُ مَرَّةً وَيَعلو أُخرى، مُتَمَسِّكٌ بِما فيهِ مِنَ الماءِ الكَثيرِ الّذي إذا أزجاهُ صارَت مِنهُ البُحورُ، يَمُرُّ عَلى الأراضي الكَثيرَةِ وَالبُلدانِ المُتنائِيَةِ لا تَنقُصُ مِنهُ نُقطَةٌ، حَتّى يَنتَهي إلى ما لا يُحصى مِنَ الفَراسِخ فَيُرسِلُ ما فيهِ قَطرَةً بَعدَ قَطرَةٍ، وَسَيلًا بَعدَ سَيلٍ، مُتَتابِعٍ عَلى رِسلِهِ حَتّى يَنقَعُ البِرَكُ وَتَمتلي الفِجاجُ، وَتَعتَلي الأودِيَةُ بِالسُّيولِ كَأمثالِ الجِبالِ غاصَّةً بِسُيولِها، مُصمِخَةً الآذانَ لِدَوِّيِّها وَهَديرِها، فتحيي بِها الأرضَ المَيتَةَ، فَتُصبِحُ مُخضَرَّةً بَعدَ أن كانَت مُغبَرَّةً، وَمُعشِبَةً بَعدَ أن كانَت مُجدِبَةً، قَد كُسِيَت ألواناً مِن نباتِ عُشبٍ ناضِرَةً زاهِرَةً مُزَيَّنَةً مَعاشاً للنّاسِ وَالأنعامِ، فَإذا أفرَغَ الغَمامُ ماءَهُ أقلَعَ وَتَفَرَّقَ وَذَهَبَ حَيثُ لا يُعايَنُ ولا يُدرى أينَ تَوارى، فأدَّتِ العَينُ ذلِكَ إلى القَلبِ، فَعَرَفَ القَلبُ أنَّ ذلِكَ السَّحابَ لَو كانَ بِغَيرِ مُدَبِّرٍ وَكانَ ما وَصَفتُ مِن تِلقاءِ نَفسِهِ، ما احتَمَل نِصفَ ذلِكَ مِنَ الثّقلِ مِنَ الماءِ، وإن كانَ هُوَ الّذي يُرسِلُهُ لَما احتَمَلَهُ ألفَي فَرسَخٍ أو أكثَرَ، وَلَأرسَلَهُ فيما هُوَ أقرَبُ مِن ذلِكَ، وَلَما أرسَلَهُ قَطرَةً بَعدَ قَطرَةٍ، بَل كانَ يُرسِلُهُ إرسالًا فَكانَ يَهدِمُ البُنيانَ وَيُفسِدُ النَّباتَ، وَلَما جازَ إلى بَلَدٍ وَتَرَكَ آخَرَ دونَهُ، فَعَرَفَ القَلبُ بِالأعلامِ المُنيرَةِ الواضِحَةِ أنَّ مُدَبِّرَ الأُمورِ واحِدٌ، وأنّهُ لَو كانَ اثنَينِ أو ثَلاثَةً لَكانَ في طولِ هذهِ الأزمِنَةِ وَالأَبدِ وَالدَّهرِ اختِلافٌ فِي التَّدبيرِ وَتَناقُضٌ في الأُمورِ، وَلَتَأخَّرَ بَعضٌ وَتَقَدَّمَ بَعضٌ، وَلَكانَ تَسَفَّلَ بَعضُ ما قَد عَلا، وَلَعَلا بَعضُ ما قَد سَفِلَ، وَلَطَلَعَ شَيءٌ وَغابَ فَتَأخَّرَ عَن وَقتِهِ أو تَقَدَّمَ ما قَبلَهُ، فَعَرَفَ القَلبُ بِذلِكَ أنَّ مُدَبِّرَ الأشياءِ- ما غابَ مِنها وما ظَهَرَ- هُوَ اللَّهُ الأوَّلُ، خالِقُ السَّماءِ وَمُمسِكُها، وَفارِشُ الأرضِ وَداحيها، وصانِعُ ما بَينَ ذلِكَ مِمّا عَدَّدنا، وَغَيرَ ذلِكَ مِمّا لَم يُحصَ.
وَكذلِكَ عايَنَتِ العَينُ اختِلافَ اللَّيلِ والنَّهارِ دائِبَينِ جَديدَينِ لا يَبلَيانِ في طولِ كَرِّهِما، ولا يَتَغيَّرانِ لِكَثرَةِ اختلافِهِما، وَلا يَنقُصان عَن حالِهِما، النَّهارُ في نورِهِ