مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢١١ - ٦٦ وصيّته
سَبَّكَ، وَأنصِف مَن خاصَمَكَ وَاعفُ عَمَّن ظَلَمَكَ، كَما أنَّكَ تُحِبُّ أن يُعفى عَنكَ، فَاعتَبِر بِعَفوِ اللَّهِ عَنكَ، ألا تَرى أنَّ شَمسَهُ أشرَقَت على الأبرارِ وَالفُجّارِ، وَأنَّ مَطَرَهُ يَنزِلُ على الصّالِحينَ وَالخاطِئينَ.
يا ابنَ جُندَب، لا تَتَصَدَّق على أعيُنِ النّاسِ لِيُزَكّوكَ، فَإنَّكَ إن فَعَلتَ ذلِكَ فَقَد استَوفَيتَ أجرَكَ، وَلكِن إذا أعطَيتَ بِيَمينِكَ فَلا تُطلِع عَلَيها شِمالَكَ، فإنّ الّذي تَتَصَدَّقُ لَهُ سِرّاً يَجزيكَ عَلانِيَةً على رُؤوسِ الأشهادِ في اليَومِ الّذي لا يَضُرُّكَ أن لا يَطَّلِعَ النَّاسُ على صَدَقَتِكَ، وَاخفِض الصَّوتَ، إنّ رَبَّكَ الّذي يَعلَمُ ما تُسِرّونَ وَما تُعلِنونَ، قَد عَلِمَ ما تُريدونَ قَبل أن تَسألوهُ، وَإذا صُمتَ فَلا تَغتَب أحَداً، وَلا تُلبِسوا صيامَكُم بِظُلمٍ، وَلا تَكُن كالّذي يَصومُ رِئاءَ النّاسِ، مُغبَرَّةً وُجوهُهُم، شَعِثَةً رُؤوسُهُم، يابِسَةً أفواهُهُم لِكي يَعلَمَ النّاسُ أنَّهُم صيامٌ.
يا ابنَ جُندَب، الخَيرُ كُلُّه أمامَكَ، وَإنّ الشَّرَّ كُلَّه أمامَكَ، وَلَن تَرى الخَيرَ وَالشَّرَّ إلّابَعدَ الآخِرَةِ، لأنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ جَعَلَ الخَيرَ كُلَّهُ في الجَنَّةِ وَالشَّرَّ كُلَّهُ في النَّارِ، لِأنَّهُما الباقِيانِ.
وَالواجِبُ على مَن وَهَبَ اللَّهُ لَهُ الهُدى وَأكرَمَهُ بِالإيمانِ، وَألهَمَهُ رُشدَهُ، وَرَكّبَ فيهِ عَقلًا يَتَعَرَّفُ بهِ نِعمَهُ، وَآتاهُ عِلماً وَحُكماً، يُدَبِّرُ بهِ أمرَ دينِهِ وَدُنياهُ أن يُوجِبَ على نَفسِهِ أن يَشكُرَ اللَّهَ وَلا يَكفُرَهُ، وَأن يَذكُرَ اللَّهَ وَلا يَنساهُ، وَأن يُطيعَ اللَّهَ وَلا يَعصِيَهُ، لِلقَديمِ الّذي تَفَرَّدَ لَهُ بِحُسنِ النَّظَرِ، وَلِلحَديثِ الّذي أنعَمَ عَلَيهِ بَعدَ إذ أنشَأهُ مَخلوقاً، وَلِلجَزيلِ الّذي وَعَدَهُ، وَالفَضلِ الّذي لَم يُكَلِّفهُ مِن طاعَتِهِ فَوقَ طاقَتِهِ، وَما يَعجِزُ عَن القِيامِ بِهِ، وَضَمِنَ لَهُ العَونَ على تَيسيرِ ما حَمَلَهُ مِن ذلِكَ، وَنَدبَهُ إلى الاستِعانَةِ على قَليلِ ما كَلَّفَهُ، وَهُوَ مُعرِضٌ عَمّا أمَرَهُ، وَعاجِزٌ عَنهُ، قَد لَبِسَ ثَوبَ الاستِهانَةِ فيما بَينَهُ وَبَينَ رَبِّهِ، مُتَقَلِّداً لِهَواهُ، ماضِياً في شَهواتِهِ، مُؤثِراً لِدُنياهُ على آخِرَتِهِ، وَهُو في ذلِكَ يَتَمنّى جِنانَ الفِردَوسِ، وَما يَنبَغي لِأحَدٍ أن يَطمَعَ أن يَنزِلَ بِعَمَلِ الفُجَّارِ مَنازِلَ الأبرارِ.
أما إنَّهُ لَو وَقَعَت الواقِعَةُ، وَقامَتِ القيامَةُ، وَجاءَ تِ الطّامَّةُ، وَنَصَبَ الجَبَّارُ المَوازينَ لِفَصلِ القَضاءِ وَبَرَز الخَلائِقُ لِيَوم الحِسابِ، أيقَنتَ عِندَ ذلِكَ لِمَن تَكونُ الرِّفعَةُ وَالكَرامَةُ؟ وَبِمَن تَحِلُّ الحَسرَةُ وَالنَّدامَةُ؛ فاعمَل اليَومَ في الدُّنيا بِما تَرجو بِهِ الفَوزَ في الآخِرَةِ.