مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢١٢ - ٦٦ وصيّته
يا ابنَ جُندَب، قالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ في بَعضِ ما أوحى: إنَّما أقبَلُ الصَّلاةَ مِمَّن يَتَواضَعُ لِعَظَمتي، وَيَكُفُّ نَفسَهُ عَنِ الشَّهواتِ مِن أجلي، وَيَقطَعُ نَهارَهُ بِذكري، وَلا يَتَعَظّمُ على خَلقي، وَيُطعِمُ الجائِعَ، وَيَكسو العارِيَ، وَيَرحَمُ المُصابَ، وَيُؤوي الغَريبَ، فَذلِكَ يُشرِقُ نورُهُ مِثلَ الشَّمسِ، أجعَلُ لَهُ في الظُّلمَةِ نوراً، وَفي الجَهالَةِ حِلماً، أكلؤهُ [١] بِعِزّتي، وَأستَحفِظُهُ مَلائِكَتي، يَدعوني فَأُلبِّيَهُ وَيَسألنُي فَاعطِيَهُ، فَمِثلُ ذلِكَ العَبدِ عِندي كَمَثَلِ جَنّاتِ الفِردَوسِ لا يُسبَقُ أثمارُها، وَلا تَتَغَيَّرُ عَن حالِها.
يا ابنَ جُندَب، الإسلامُ عُريانٌ فَلِباسُهُ الحَياءُ، وَزينَتُهُ الوَقارُ، وَمُروءَ تُهُ العَمَلُ الصّالِحُ، وَعِمادُهُ الوَرَعُ، وَلِكُلِّ شَيءٍ أساسٌ، وَأساسُ الإسلامِ حُبُّنا أهلَ البَيتِ.
يا ابنَ جُندَب، إنَّ للَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى سوراً مِن نورٍ، مَحفوفاً بِالزَّبَرجَدِ وَالحَريرِ، مُنَجَّداً بِالسُّندُسِ وَالدّيباجِ، يُضرب هذا السّورُ بَينَ أوليائِنا وَبَينَ أعدائِنا، فَإذا غَلى الدِّماغُ، وَبَلغَتِ القُلوبُ الحَناجِرَ وَنَضِجَتِ الأكبادُ مِن طولِ المَوقِفِ ادخِلَ في هذا السّورِ أولياءُ اللَّهِ، فَكانوا في أمنِ اللَّهِ وَحِرزِهِ، لَهُم فيها ما تَشتَهي الأنفُسُ وَتَلَذُّ الأعيُنُ.
وَأعداءُ اللَّهِ قَد ألجَمَهُم العَرَقُ وَقَطَعَهُمُ الفَرَقُ وَهُم يَنظُرونَ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُم، فَيَقولونَ: «مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مّنَ الْأَشْرَارِ» [٢] فَيَنظُرُ إلَيهِم أولياءُ اللَّهِ فَيَضحَكونَ مِنهُم، فذلِكَ قَولُهُ عز و جل: «أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ» [٣]، وَقَولُهُ: «فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ* عَلَى الْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ» [٤]، فَلا يَبقى أحَدٌ مِمَّن أعانَ مُؤمِناً مِن أوليائِنا بِكَلِمَةٍ إلّاأدخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسابٍ. [٥]
[١]. كلأ اللَّه فلاناً: أي حفظه و حرسه.
[٢]. ص: ٦٢.
[٣]. ص: ٦٣.
[٤]. المطففين: ٣٤ و ٣٥.
[٥]. تحف العقول: ص ٣٠١.