مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٠٩ - ٦٦ وصيّته
قُلتُ: جُعِلتُ فِداكَ فَأينَ أطلُبُهُم؟
قالَ ٧: على رُؤوس الجِبالِ وَأطرافِ المُدِنِ، وَإذا دَخَلتَ مَدينَةً فَسَل عَمَّن لا يُجاوِرُهُم وَلا يُجاوِرونَهُ، فَذلِكَ مُؤمِنٌ كما قالَ اللَّهُ: «وَ جَآءَ رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى» [١]، وَاللَّهِ لَقَد كانَ حَبيبُ النَّجّارُ وَحدَهُ.
يا ابنَ جُندَب، كُلُّ الذُّنوبِ مَغفورَةٌ سِوى عُقوقِ أهلِ دَعوَتِكَ. وَكُلُّ البِرِّ مَقبولٌ إلّاما كانَ رِئاءً.
يا ابنَ جُندَب، أحبِب في اللَّهِ وَاستَمسِك بِالعُروَةِ الوُثقى، وَاعتَصِم بِالهُدى، يُقبَل عَمَلُكَ فَإنَّ اللَّهَ يَقولُ: «إلا مَنَ آمَن وَ عَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى» [٢] فَلا يُقبَلُ إلّاالإيمانُ، وَلا إيمانَ إلّابِعَمَلٍ، وَلا عَمَلَ إلّابِيَقينٍ، وَلا يَقينَ إلّابِالخُشوعِ، وَمِلاكُها كُلِّها الهُدى، فَمَن اهتَدى يُقبَلُ عَمَلهُ وَصَعِدَ إلى المَلَكوتِ مُتَقَبَّلًا «وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَ اطٍ مُّسْتَقِيمٍ» [٣]
. يا ابنَ جُندَب، إن أحبَبتَ أن تجاوِرَ الجَليلَ في دارِهِ وَ تَسكُنَ الفِردَوسَ في جِوارِهِ فَلتَهُن عَلَيكَ الدُّنيا، وَ اجعَل المَوتَ نُصبَ عَينِكَ، وَ لا تَدَّخِر شَيئاً لِغَدٍ، وَ اعلَم أنّ لَكَ ما قَدَّمتَ وَ عَليكَ ما أخَّرتَ.
يا ابنَ جُندَب، مَن حَرَمَ نفسَهُ كَسبَهُ فإنَّما يَجمَعُ لِغَيرِهِ، وَ مَن أطاعَ هَواهُ فَقَد أطاعَ عَدُوَّهُ، مَن يَثِقُ بِاللَّهِ يَكفِهِ ما أهَمَّهُ مِن أمرِ دُنياهُ وَ آخِرَتِهِ، وَ يَحفَظ لَهُ ما غابَ عَنهُ، وَ قَد عَجَزَ مَن لَم يُعِدَّ لِكُلِّ بَلاءٍ صَبراً وَ لِكُلِّ نِعمَةٍ شُكراً، وَ لِكُلِّ عُسرٍ يُسراً.
صَبِّر نَفسَكَ عِندَ كُلِّ بَلِيَّةٍ في وَلَدٍ أو مالٍ أو رَزِيَّةٍ، فَإنَّما يَقبَضُ عارِيَتَهُ وَ يَأخُذُ هِبَتَهُ، لِيَبلُوَ فيهِما صَبرَكَ وَ شُكرَكَ. وَ ارجُ اللَّهَ رَجاءً لا يُجَرّئكَ على مَعصِيَتِهِ، وَ خَفهُ خَوفاً لا يُؤيِسُكَ مِن رَحمَتِهِ، وَ لا تَغتَرَّ بِقَولِ الجاهِلِ وَ لا بِمَدحِهِ، فَتَكَبَّرُ وَ تَجَبَّرُ وَ تُعجَبُ بِعَمَلِكَ، فإنَّ أفضَلَ العَمَلِ العِبادَةُ وَ التَّواضُعُ.
فلا تُضَيِّع مالَكَ وَ تُصلِح مالَ غَيرِكَ ما خَلَّفتَهُ وَراءَ ظَهرِكَ. وَ اقنَع بِما قَسَمَهُ اللَّهُ لَكَ. وَ لا تَنظُر إلّا إلى ما عِندَكَ. وَ لا تَتَمَنَّ ما لَستَ تَنالُهُ، فإنَّ مَن قَنَعَ شَبِعَ، وَ مَن لَم يَقنَع لَم يَشبَع، وَ خُذ حَظَّكَ مِن
[١]. القصص: ٢٠ و يس: ٢٠.
[٢]. في سورة طه الآية (٨٢): «
وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَ ءَامَنَ وَ عَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى»
. (٣). البقرة: ٢١٣ و راجع: البقرة: ١٤٢ و الأنعام: ٣٩ و يونس: ٢٥ و النّور: ٤٦ و الشّورى: ٥٢.