مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢١٠ - ٦٦ وصيّته
آخِرَتِكَ، وَلا تَكُن بَطِراً في الغِنى، وَلا جَزِعاً في الفَقرِ، وَلا تَكُن فَظّاً غَليظاً يَكرَهُ النّاسُ قُربَكَ وَلا تَكُن واهِناً يُحَقِّرُكَ مَن عَرَفَكَ. وَلا تُشارَّ مَن فَوقَكَ وَلا تَسخَر بِمَن هُوَ دونَكَ. وَلا تُنازِع الأمرَ أهلَهُ، وَلا تُطِع السُّفَهاءَ، وَلا تَكُن مَهيناً تَحتَ كُلِّ أحَدٍ، وَلا تَتَّكِلَنَّ على كِفايَةِ أحَدٍ، وَقِف عِندَ كُلِّ أمرٍ حَتّى تَعرِفَ مُدخَلَهُ مِن مَخرَجِهِ قَبلَ أن تَقَعَ فيهِ فَتَندَمَ.
وَاجعَل قَلبَكَ قَريباً تُشارِكُهُ، وَاجعَل عَمَلَكَ والِداً تتَّبِعُهُ، وَاجعَل نفسَكَ عَدُوّاً تُجاهِدُهُ وَعارِيَةً تَرُدُّها، فَإنَّكَ قَد جُعِلتَ طَبيبَ نَفسِكَ، وَعَرَفتَ آيَةَ الصِّحَةِ وَبُيِّنَ لَكَ الدّاءُ وَدُلِلتَ عَلى الدَّواءِ.
فَانظُر قيامَكَ على نَفسِكَ، وَإن كانَت لَكَ يَدٌ عِندَ إنسانٍ فَلا تُفسِدها بِكَثرَةِ المَنِّ وَالذّكرِ لَها، وَلكِن أتبِعها بأفضَلَ مِنها، فَإنّ ذلِكَ أجمَلُ بِكَ في أخلاقِكَ، وَأوجَبُ لِلثَّوابِ في آخِرَتِكَ.
وَعَلَيكَ بالِصَّمتِ تُعَدُّ حَليماً- جاهِلًا كُنتَ أو عالِماً- فإنَّ الصّمتَ زَينٌ لَكَ عِندَ العُلماءِ، وَسِترٌ لَكَ عِندَ الجُهّالِ.
يا ابنَ جُندَب، إنّ عيسى بنَ مَريَم ٧ قالَ لأصحابِهِ: أَرأيتُم لَو أنّ أحَدَكُم مَرَّ بِأخيهِ فَرَأى ثَوبَهُ قَدِ انكَشَفَ عَن بَعضِ عَورَتِهِ، أكانَ كاشِفاً عَنها كُلِّها أم يَرُدّ عَلَيها ما انكَشَفَ مِنها؟
قالوا: بَل نَرُدُّ عَلَيها.
قالَ: كَلّا، بَل تَكشِفونَ عَنها كُلِّها- فَعَرفوا أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَهُم-.
فَقيلَ: يا روحَ اللَّهِ وَكَيفَ ذلِكَ؟
قالَ: الرَّجُلُ مِنكُم يَطَّلِعُ على العَورَةِ مِن أخيهِ فَلا يَستُرُها، بِحَقٍّ أقولُ لَكُم إنَّكُم لا تُصيبونَ ما تُريدونَ إلّابِتَرِكِ ما تَشتَهونَ، وَلا تَنالونَ ما تَأملونَ إلّابِالصَّبرِ عَلى ما تَكرَهونَ، إيّاكُم وَالنَّظرَةَ فإنَّها تَزرَعُ في القَلبِ الشَّهوَةَ، وَكَفى بِها لِصاحِبِها فِتنَةً، طوبى لِمَن جَعَل بَصَرَهُ في قَلبِهِ، وَلَم يَجعَل بَصَرَه في عَينِهِ، لا تَنظُروا في عُيوبِ النّاسِ كَالأربابِ، وَانظُروا في عُيوبِكُم كَهَيئَةِ العَبيدِ، إنَّما النّاسُ رَجُلانِ: مُبتَلىً وَمُعافىً، فارحَموا المُبتَلى وَاحمِدوا اللَّهَ عَلى العافِيَةِ.
يا ابنَ جُندَب، صِل مَن قَطَعَكَ، وَأعطِ مَن حَرَمَكَ، وَأحسِن إلى مَن أساءَ إلَيكَ، وَسَلِّم على مَن