المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ٢٠٣ - رد الشيخ كاشف الغطاء هذا آخر ما دار بيني و بين الفاضل الريحاني، لوقت رحلته إلى محطّ هجرته أعاده اللّه إلينا بخفارة
قائله أو إلى أي نسبة تفترض سوى تلك؛ حتّى يعود الكلام و كأن ليس له قائل من البشر، و إنّما عصفت به الريح أو صوّره حفيف الشجر.
هنالك حيث لا تعمل المغايرات الجنسية، و لا القومية و لا الدينية، كما لا تعمل العلائق الودية، و النسب الأهلية، فتستوي دعوى العدوّ و الصديق، و حجّة البعيد و القريب.
هنالك تتجلى الحقائق ناصعة، و الآيات بيّنة، و المغيبات بارزة مكشوفة.
هنالك لا محاباة و لا تحامل، و لا صلف [١] و لا تجامل، و لا مباغضة و لا تحاسد، و لا ذحول [٢] و لا ترات [٣] .
أمّا لو دبّت أضعف ريح من التعصب في روح المناظر، فهنالك احتجاب المعارف و انقلاب الحقائق، و تطفيف الكيل و هضم الحقوق -نقصا أو زيادة-فالحسنات سيئات، و النور ظلمات، و العلم جهالة، و الهدى ضلالة.
و لعلّ إلى هذا توعز جوهرية قول الإمام «انظر إلى ما قيل، لا إلى من قال» [٤] و سبكها بعض الشعراء في قوله:
لا تكن ناظرا إلى قائل القو # ل بل انظر إليه ماذا يقول
[١] الصّلف: الكبر و مجاوزة القدر. (لسان العرب: ج ٧ ص ٣٨٩ مادّة «صلف» ) .
[٢] الذحول: جمع الذحل؛ و هو الثأر، و قيل: العداوة و الحقد. (لسان العرب: ج ٥ ص ٢٧ مادّة «ذحل» ) .
[٣] التّرات: جمع التّرة؛ و هي الثأر؛ يقال: وتره وترا وترة: إذا أصابه بوتر؛ و هو الظلم في الثأر، و قيل: الثأر عامّة. (لسان العرب: ج ١٥ ص ٢٠٥، مادّة «وتر» ) .
[٤] رواه الجاحظ كما في مناقب الخوارزمي: ص ٣٧٥، و اخرجه ابن حجر في الصواعق المحرقة: ص ٢٠٠.