المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ٢٦٣ - الأولى صديقي الأعزّ
و بودي لو جعلت الحكومة ضريبة على الخطابة العصرية و الدستورية و خطبائها المصاقيع [١] ، إذ لست أرى فيها كبير فائدة.
الخطيب المليح الطلق، الحسن البادرة، العالي الصوت، الكثير الحركات و السكنات، يموّه ما شاء و ما شاءت عنجهيته، و يخبط في دقيق الأمور خبط عشواء [٢] ، فيسمعه القوم مرتاحين معجبين، و يصفقون لنكتة باردة، أو لطعنة صاردة [٣] ، و تفوتهم تمويهاته كلّها و ما قد يتخلّلها من شذرات حقّ أو لمعات برهان.
و الخطيب العالم الرصين الحصيف [٤] يمله الناس و لا يعلق من خطبته ساعتين في أذهانهم غير كلمات الشكر للجمعية التي انتدبته و بعض عبارات الثناء على تأدبهم و كرم أخلاقهم و جميل صبرهم في الإصغاء إلى مثل معضلاته و ترهاته.
الخطيب الأوّل ضرره أكثر من نفعه، و الخطيب الثاني لا يفيد قطعا.
فاستأذن الأستاذ بكلمة فقال:
«أدركت لحنك، لا الخطيب الأوّل أنت و لا الثاني، يتّهمونك يا صاح
[١] المصاقيع: جمع المصقع؛ و هو: البليغ الماهر في خطبته، و الصقع: رفع الصوت، و البلاغة في الكلام و الوقوع على المعاني. (لسان العرب: ج ٧ ص ٣٧٦، مادّة «صقع» ) .
[٢] (يخبط خبط عشواء) مثل يضرب للمتهافت في الشيء، و العشواء: الناقة الضعيفة البصر التي تضرب كلّ شيء أمامها. (مجمع الامثال: ج ٣ ص ٥٢٠) .
[٣] الصاردة: النافذة، و الصّرد: الطعن النافذ. (لسان العرب: ج ٧ ص ٣١٩، مادّة «صرد» ) .
[٤] الحصيف: الرجل المحكم العقل. (لسان العرب: ج ٣ ص ٢٠٦، مادّة «حصف» ) .