المراجعات الريحانية - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - الصفحة ١٦٧ - و إليك ما نروم
المقطوع به عند البشر أنفسهم، فكل صنف هو أعرف بسلائله و فصيلته، و أصله و قبيلته، نعم كان هو المقطوع به و إلى اليوم لو لا تشكيكات دروين [١] و فقاقيعه القردية، و من ذكرت و ذكرنا من حملة عرشه إلينا-ربّما أراد بالإنسان كما جعله من أصل واحد و على خلق سواء أن يكون أيضا ذا لسان واحد و دين واحد، كي يصطلح البشر و يتآخى، و يتحابب و يتقارب، و لا يقع فيه كلّ ما نراه اليوم و من قبل ممّا لا نجده بين شيء من الحيوان الذي نسّميه بالوحش و ما هو-أيم اللّه- [٢] بأشد توحشا منّا لو أنصفنا.
نعم، لعلّ ربّك أراد ذلك و لكن-عمرك اللّه- [٣] أبت البشر أنفسهم ما هناك. و ربّك و إن كان جبّارا و لكن ما هو بمجبر أحدا، و لا هو بنازع من أحد ما منّ به عليه من حريته و اختياره، و سلطان مشيئته و اقتداره.
و حقّا أنّ اللسان العربي هو اللسان الطبيعي للإنسان، الموافق لكل أهواء النفس، و الجاري على سنن النواميس الطبيعية، فكان أوسع اللغات و أقومها بالأود [٤] و أملكها لأعنّة البلاغة حتى كأنّه هو اللسان الذي خلق مع الإنسان، و خلق للإنسان، و ارتقى بارتقائه، و صار ينشأ و ينمو بنشوّه و نموّه.
و أرجوك أن تقبل مني هذه النظرية على جملتها وطيّتها، حتّى ينفسح
[١] تشارلز دارون: باحث إنجليزي صاحب نظرية التطوّر المشهورة. نشر في سنة ١٨٥٩ كتابه (أصل الأنواع) معتبرا أصل الحياة خلية كانت في مستنقع آسن قبل ملايين السنين و قد تطورت هذه الخلية و مرت بمراحل منها مرحلة القرد، انتهاء بالإنسان. (الموسوعة الميسرة في الأديان و المذاهب المعاصره: ص ٢١١) .
[٢] أيم اللّه: أصلها أيمن و هو اسم وضع للقسم، و حذفت النون منه تخفيفا. (لسان العرب: ج ١٥ ص ٤٥٨ مادّة «يمن» ) .
[٣] عمرك اللّه: معناه سألت اللّه أن يطيل عمرك، و سألت اللّه أن يعمّرك. (لسان العرب: ج ٩ ص ٣٩١ مادّة «عمر» ) .
[٤] الأود: العوج. (لسان العرب: ج ١ ص ٢٦٠ مادّة «أود» ) .