كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ٤٥٥ - في فضائلها
ذَاتِ بَابَيْنِ دَخَلْتُ فِي بَابٍ وَ خَرَجْتُ مِنْ بَابٍ.
و هذا يدل بمفهومه على أنه لم يرد الموت و لم يؤثر مفارقة الدنيا و لا استطال أمد الإقامة فيها.
وَ إِبْرَاهِيمُ ع رُوِيَ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ لَا يُمِيتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ فَلَمَّا اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ الَّتِي قُدِّرَتْ لَهُ خَرَجَ فَرَأَى مَلَكاً عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ فَانٍ كَبِيرٍ قَدْ أَعْجَزَهُ الضَّعْفُ وَ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْخِرَافُ[١] وَ لُعَابُهُ يَجْرِي عَلَى لِحْيَتِهِ وَ طَعَامُهُ وَ شَرَابُهُ يَخْرُجَانِ مِنْ سَبِيلِهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَقَالَ لَهُ يَا شَيْخٌ كَمْ عُمُرُكَ فَأَخْبَرَهُ بِعُمُرٍ يَزِيدُ عَلَى عُمُرِ إِبْرَاهِيمَ سَنَةً فَاسْتَرْجَعَ وَ قَالَ أَنَا أُصَيِّرُ بَعْدَ سَنَةٍ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ فَسَأَلَ الْمَوْتَ.
وَ مُوسَى ع لَمَّا جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ لَطَمَهُ فَأَعْوَرَهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ رَبِّ إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُحِبُّ الْمَوْتَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ ضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ وَ لَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ وَارَتْهَا يَدُكَ سَنَةٌ فَقَالَ ثُمَّ مَا ذَا فَقَالَ الْمَوْتُ فَقَالَ انْتَهِ إِلَى أَمْرِ رَبِّكَ.
في كلام هذا معناه فإن الحديث لم يحضرني وقت نقل هذا الموضع فأثبته بصورة ألفاظه.
فهؤلاء الأنبياء ص و هم ممن عرفت شرفهم و علا شأنهم و ارتفاع مكانهم و محلهم في الآخرة و قد عرفوا ذلك و أبت طباعهم البشرية إلا الرغبة في الحياة و فاطمة ع امرأة حديثة عهد بصبى ذات أولاد صغار و بعل كريم لم تقض من الدنيا إربا[٢] و هي في غضارة عمرها و عنفوان شبابها يعرفها أبوها أنها سريعة اللحاق به فتسلو موت أبيها ص و تضحك طيبة نفسها بفراق الدنيا و فراق بنيها و بعلها فرحة بالموت مائلة إليه مستبشرة بهجومه مسترسلة عند قدومه و هذا أمر عظيم لا تحيط الألسن بصفته و لا تهتدي القلوب إلى معرفته و ما ذاك إلا لأمر علمه الله من أهل هذا البيت الكريم و سر أوجب لهم مزية التقديم فخصهم بباهر معجزاته و أظهر عليهم آثار علائمه و سماته و أيدهم ببراهينه الصادعة
[١] الخراف: فساد العقل من الكبر.
[٢] الارب- بالكسر-: الحاجة.