كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ١٧٣ - في وصف زهده في الدنيا و سنته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
يخرج من غرض الكتاب و لما علمه من حال الدنيا رفضها و تركها و ترفع عنها و فركها و عاملها معاملة من لم يدركها حين أدركها و خاف على نفسه التورط في مهاويها فما انتهجها و لا سلكها و خشي أن تملكه بزخارفها فلم يحفل بها لما ملكها و احترز من آلامها و آثامها و خلص من أمراضها و أسقامها و عرفها تعريف خبير بحدها و رسمها و أنزلها على حكمه و لم ينزل على حكمها[١] فصار زهده مسألة إجماع لا شك فيه و لا إنكار و ورعه مما اشتهر في النواحي و الأقطار و عبادته و نزاهته مما أطبق عليه علماء الأمصار و هو الذي فرق بيت المال على مستحقيه-
وَ قَالَ:
|
هَذَا جَنَايَ وَ خِيَارُهُ فِيهِ |
إِذْ كُلُّ جَانٍ يَدُهُ إِلَى فِيهِ[٢]. |
|
و كان يرشه و يصلي فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة
قَالَ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع بِالْخَوَرْنَقِ[٣] وَ هُوَ يَرْعُدُ تَحْتَ سَمَلِ قَطِيفَةٍ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَكَ وَ لِأَهْلِ بَيْتِكَ فِي هَذَا الْمَالِ مَا يَعُمُّ وَ أَنْتَ تَصْنَعُ بِنَفْسِكَ مَا تَصْنَعُ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا أَرْزَأُكُمْ[٤] مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيْئاً وَ إِنَّ هَذِهِ لَقَطِيفَتِيَ الَّتِي خَرَجْتُ بِهَا مِنْ مَنْزِلِي [مَنْزِلِنَا] مِنَ الْمَدِينَةِ مَا عِنْدِي غَيْرُهَا.
السمل الخلق من الثياب يقال ثوب أسمال كما قالوا رمح أقصاد و القطيفة ما له خمل.
وَ مِنْ هَذَا أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ عُمَارَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ دَخَلَتْ عَلَى مُعَاوِيَةَ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ فَجَعَلَ يُؤَنِّبُهَا عَلَى تَحْرِيضِهَا عَلَيْهِ أَيَّامَ صِفِّينَ وَ آلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ قَالَ مَا حَاجَتُكِ قَالَتْ إِنَّ اللَّهَ مُسَائِلُكَ عَنْ أَمْرِنَا وَ مَا افْتَرَضَ عَلَيْكَ مِنْ حَقِّنَا وَ لَا يَزَالُ يَقْدَمُ عَلَيْنَا مِنْ قِبَلِكَ مَنْ يَسْمُو بِمَكَانِكَ وَ يَبْطِشُ بِقُوَّةِ سُلْطَانِكَ فَيَحْصِدُنَا حَصِيدَ السُّنْبُلِ وَ
[١] يعني جعل عليه السلام الدنيا محكوما لحكمه و لم يجعل نفسه محكوما لحكمها.
[٢] مر معناه آنفا فراجع.
[٣] موضع بالكوفة.
[٤] رزأه ماله: نقصه.