كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ١٧١ - في وصف زهده في الدنيا و سنته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
الْقِيَامَةِ وَ ذَكَرَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي مَنَاقِبِهِ
فقد ثبت لعلي الزهد في الدنيا بشهادة النبي ص له بذلك و لا يصح الزهد في الشيء إلا بعد معرفته و العلم به و علي ع عرف الدنيا بعينها و تبرجت له فلم يحفل بزينتها لشينها و تحقق زوالها فعاف وصالها[١] و تبين انتقالها فصرم حبالها[٢] و استبان قبح عواقبها و كدر مشاربها فألقى حبلها على غاربها[٣] و تركها لطالبها و تيقن بؤسها و ضررها فطلقها ثلاثا و هجرها و عصاها إذ أمرته فعصته إذ أمرها و علمت أنه ليس من رجالها و لا من ذوي الرغبة في جاهها و مالها و لا ممن تقوده في حبالها و تورده موارد وبالها فصاحبته هدنة على دخن[٤] و ابتلته بأنواع المحن و جرت في معاداته على سنن و غالته بعده في ابنيه الحسين و الحسن و هو ص لا يزداد على شدة اللأواء[٥] إلا صبرا و على تظاهر الأعداء إلا حمدا لله و شكرا مستمرا في ذات الله شديدا على أعداء الله و أوفى بأولياء الله شاكرا لآلاء الله مستمرا على طريقة لا يغيرها جاريا على وتيرة لا يبدلها آخذا بسنة رسول الله ص لا يحول عنها مقتفيا لآثاره لا يفارقها واطيا لعقبه ص لا يجاوزها حتى نقله الله إلى جواره و اختار له دارا خيرا من داره فمضى ص محمود الأثر مشكور الورد و الصدر مستبدلا بدار الصفا من دار الكدر قد لقي محمدا ص بوجه لم يشوهه التبديل و قلب لم تزدهه الأباطيل
قَالَ عَلِيٌّ ع
[١] عاف الشيء: كرهه.
[٢] صرم الحبل: انقطع.
[٣] الغارب: ما بين السنام و العنق و هو الذي يلقى عليه خطام البعير إذا ارسل ليرعى حيث شاء، ثمّ استعير للمرأة و جعل كناية عن طلاقها، فقيل لها: حبلك على غاربك اي اذهبى حيث شئت اي أنت مرسلة مطلقة غير مشدودة و لا ممسكة بعقد الزواج.
[٤] الهدنة- بالضم-: السكون و المصالحة، و الدخن- محركة-: الحقد- و قولهم« هدنة على دخن» أي صلح على فساد و سكون لعلة لا لصلح.
[٥] اللأواء: الشدة و المحنة.