شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٩٥ - «الشرح»
..........
لدفع ما يتوهّم من قوله «احتجب» من أنّ له حجابا حسيّا و هو ما يحجب الحواسّ عن الجسم و الجسمانيّات أو حجابا عقليّا، و هو ما يحجب العقل عن المعاني و الصور العقليّة و كذا الكلام في نظيره، و المعنى احتجب سبحانه عن العقول و هو محجوب بغير حجاب عقلي يحجبه، و استتر عن الحواسّ و هو مستور بغير ستر حسّي يستره، لأنّ الحجاب و الستر بهذا المعنى من لواحق الصورة و الجسميّة و عوارضها و إذ تنزّه قدس الحقّ عنها فقد تنزّه عنهما بالضرورة، و إنّما احتجابه و استتاره لكونه خارجا عن عالم مدركات العقول و الحواسّ و كون غاية ظهوره في بطونه و نهاية جلائه في خفائه، و هو الظاهر و الباطن. و ممّا يرشد إلى سبب خفائه مع كمال ظهوره هو ما اشتهر من أنّ ظهور الأشياء بأضدادها ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى أنّ ضوء النهار ضدّ لظلمة اللّيل و أنّ الأوّل يتحقّق ما دامت الشمس على وجه الأرض و يزول عند غيبتها بطريان الظلمة علمت علما قطعيّا أنّ ضوء النهار مستند إلى الشمس و لو بقيت الشمس على وجه الأرض دائما لامكن أن تتوهّم أنّ ضوء النهار غير مستند إليها، و لمّا لم يكن لجناب الحقّ جلّ شأنه ضدّ و لا انتقال و كان نور وجوده ظاهرا فائضا صار ذلك سببا لخفائه حتّى أنكره من أنكره عذّبهم اللّه تعالى في الدّنيا و الآخرة.
و لهذه العبارة احتمال آخر ذكرناه في شرح الخطبة [١] و هو أنّ الظرف متعلّق باحتجب و محجوب بالجرّ صفة لحجاب و الغرض منه دفع ما يتوهّم من قوله «احتجب» من أنّ احتجابه عن العقول بحجاب غليظ مانع من إدراك وجوده بالكلّيّة يعني احتجابه ليس بحجاب محجوب و مستور به بأن يكون بعضه وراء بعض و هذا كناية عن نفي كون حجابه غليظا مانعا عن مشاهدة وجوده نظير ذلك قوله تعالى حِجٰاباً مَسْتُوراً قال الجوهريّ في تفسيره أي حجابا على حجاب و الأوّل مستور
[١] قوله «فى شرح الخطبة» خطبة كتاب الكافى مقتبس من هذا الحديث الشريف اذ ليس فى قدرة آحاد الرعية و ان بلغ ما بلغ فى العلم و البلاغة الاتيان بمثل هذه العبارات و كنت استبعد صدوره منه من المؤلف حتى وقفت على هذا الحديث و شرح قوله «احتجب بغير حجاب مستور» مذكور فى الصفحة ١٢ من الجزء الاول فراجع. (ش)