شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٩٦ - «الشرح»
..........
بالثاني يراد بذلك كثافة الحجاب و اللّه أعلم
(عرف بغير رؤية)
(١) الفعل إمّا مبنيّ للمفعول أو مبنيّ للفاعل و «رؤية» على التقديرين إمّا بضمّ الرّاء و سكون الواو أو بفتح الرّاء و كسر الواو و شدّ الياء فهذه احتمالات أربعة أمّا الأوّل و هو المراد في ظنّي و الباقي من الاحتمالات البعيدة فمعناه أنّه تعالى عرف وجوده بغير رؤية بالأبصار، بل بآياته و آثاره و قد سبق مرارا أنّه منزّه عن الرّؤية بحاسّة البصر، و إلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه بقوله «المعروف بغير رؤية» و أمّا الثاني فمعناه عرف وجوده بغير فكر و استدلال و فيه إشارة إلى أنّ وجوده بديهيّ [١] كما ذهب إليه بعض المحقّقين أو إلى أنّ عرفانه بالحقيقة ليس إلّا بالمشاهدة الحضوريّة كما هي لبعض العارفين و أمّا الثالث فمعناه أنّه تعالى عرف الأشياء بغير رؤية بحاسّة البصر لتنزّه قدسه عنها، و أمّا الرّابع فمعناه أنّه تعالى عرف الأشياء من غير استعمال رويّة و فكر و شوق و قصد، متوسّط بينه و بين معلوماته كمعرفتنا للأشياء بل معرفته للأشياء عبارة عن انكشافها و حضورها عند ذاته بذاته (و وصف بغير صورة)
(٢) أي وصف بأنّه ليس بصورة و لا شكل و لا كيفيّة أو وصف بغير صفة فإنّه وصف مثلا بأنّه قادر بغير قدرة زائدة على ذاته و إطلاق الصورة على الصفة شايع أو وصف بغير حدّ لأنّه بسيط ليس له ماهيّة مركّبة فليس له حدّ
(و نعت بغير جسم)
(٣) أي بأنّه ليس بجسم و لا جسمانيّ لتقدّسه عنهما و لمّا ذكر (عليه السلام) من صفاته الفعليّة و التنزيهيّة [٢] ما دلّ على كمال عظمته و نهاية علوّه و شرف رتبته أشار إلى
[١] قوله «فيه اشارة الى أن وجوده بديهى» قد مرّ فى الحديث الثالث من باب نفى الرؤية أن معرفته فى الدنيا اكتساب و فى الآخرة ضرورى ان كانت بالرؤية و قلنا هناك أن الضروريات منحصرة فى ست و لا يحتمل فى معرفة وجود البارى الا الحدس و هو غير حاصل الا للاوحدى من الناس و لا يناسب قوله (ع) هنا «عرف بغير روية» الا أن يكون لجميع الناس فالمتعين قراءة لفظ رؤية بضم الراء و الهمزة بمعنى الابصار لا الروية بمعنى التفكر و ان حمله عليه استاد الحكماء صدر المتألهين (قدس سره) (ش)
[٢] قوله «من صفاته الفعلية و التنزيهية» المستفاد من كلام صدر المتألهين فى شرح هذا الحديث الشريف أنه مشتمل على ثلاثة أقسام الاول فى عد بعض صفاته الفعلية و ما يتعلق بخالقيته و إلهيته الثانى فى تعاليه عن منال ادراك خلقه، الثالث أن علة اختفائه ظهوره، ثم عد من صفاته ستا الاولى انه فاطر الاشياء، الثانية ان ايجاده للاشياء لم يكن من مادة سابقة بل خلق الصورة و خلق المادة، الثالثة انه خلق الاشياء بقدرته و حكمته لدلالة أفعاله المحكمة و كون العالم على أشرف نظام و أحكم ترتيب على ذلك، الرابعة ليس لفعله غرض غير ذاته و هو مفاد قوله «لا لعلة» اذا الظاهر منه الغرض و الغاية المغايرة لا العلة المادية و الفاعلية اذ لو كان المراد هذا لقال لا بعلة أو لا فى علة أو من علة، و لكن قال (ع) لعلة و قال بعد ذلك «لاظهار حكمته و حقيقة ربوبيته» و هذا يدل على أن غاية فعله اظهار حكمته و أن مقتضى الكمال الافاضة و هذا أصل من أصول العلم الالهى، و بيان ذلك أن كل فاعل لشيء لا يخلو اما أن يكون قبل فعله أنقص و يصير بعد الفعل أكمل كطالب العلم يتعلم و السالك يهذب و التاجر يصير مثريا و هكذا، و اما أن يكون قبل الفعل أيضا كاملا و لا يتغير بفعله عما كان و ليس فعله سببا لكماله بل كماله سببا لفعله كما قيل مقتضى ملاء الاناء أن يفيض منه و كلما نراه من الفواعل الممكنة من قبيل الاول و واجب الوجود لا يمكن أن يكون مثلها بل هو من الثانى و هذا هو المراد بقولهم أن افعال اللّه تعالى لا تعلل بالاغراض و غايته ذاته، الخامسة أنه خلق ما شاء كيف شاء أى خلق الاشياء بالمشية و مشيته عين ذاته و محبته للاشياء ليس غيره. السادسة بيان لما مر من الغاية لفعله. و القسم الثانى من قوله لا تضبطه العقول- الى قوله- تصاريف الصفات» يدل على عدم ادراك أحد ذاته اذ لا يدرك العقل الوجود الحق الواقع فى الاعيان بل انما يتصور صورة من الوجود الخارجى و هذه الصورة ماهية قد تكون فى الذهن و قد تكون فى الخارج و ليس الوجود إلا عارضا من عوارضها المفارقة فليس بواجب الوجود و القسم الثالث من قوله «احتجب» الى آخر الحديث يدل على أن عدم ادراك الانسان له تعالى ليس لكونه مفهوما مبهما و لا لوجود حائل و مانع بينه و بين خلقه بل لشدة نوريته و غاية ظهوره. (ش)