تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٤٤ - فتح جرجان
الساعة التي امره يزيد ان ينهض فيها مشى باصحابه، فاخذ لا يستقبل من احراسهم أحدا الا قتله و كبر، ففزع اهل المدينة فزعا لم يدخلهم مثله قط فيما مضى، فلم يرعهم الا و المسلمون معهم في مدينتهم يكبرون فدهشوا، فالقى الله في قلوبهم الرعب، و أقبلوا لا يدرون اين يتوجهون! غير ان عصابه منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جهم بن زحر، فقاتلوا ساعه، فدقت يد جهم، و صبر لهم هو و اصحابه، فلم يلبثوهم ان قتلوهم الا قليلا و سمع يزيد بن المهلب التكبير، فوثب في الناس الى الباب، فوجدوهم قد شغلهم جهم بن زحر عن الباب، فلم يجد عليه من يمنعه و لا من يدفع عنه كبير دفع، ففتح الباب و دخلها من ساعته، فاخرج من كان فيها من المقاتله، فنصب لهم الجذوع فرسخين عن يمين الطريق و يساره، فصلبهم اربعه فراسخ، و سبى أهلها، و أصاب ما كان فيها قال على في حديثه، عن شيوخه، الذين قد ذكرت اسماءهم قبل، و كتب يزيد الى سليمان بن عبد الملك:
اما بعد، فان الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما، و صنع للمسلمين احسن الصنع، فلربنا الحمد على نعمه و إحسانه، اظهر في خلافه امير المؤمنين على جرجان و طبرستان، و قد أعيا ذلك سابور ذا الاكتاف و كسرى بن قباذ و كسرى بن هرمز، و أعيا الفاروق عمر بن الخطاب و عثمان ابن عفان و من بعدهما من خلفاء الله، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين، كرامة من الله له، و زياده في نعمه عليه و قد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد ان صار الى كل ذي حق حقه من الفيء و الغنيمه سته آلاف الف، و انا حامل ذلك الى امير المؤمنين ان شاء الله فقال له كاتبه المغيره بن ابى قره مولى بنى سدوس: لا تكتب بتسميه مال، فإنك من ذلك بين امرين: اما استكثره فامرك بحمله، و اما سخت نفسه لك به فسوغكه فتكلفت الهدية، فلا يأتيه من قبلك شيء الا استقبله، فكأني بك قد استغرقت ما سميت