تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٠٢ - فتح قتيبة كاشغر و غزو الصين
رايتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه الهيئة اشبه بهيئه الرجال من تلك الاولى، و هم أولئك، فلما كان اليوم الثالث ارسل اليهم فشدوا عليهم سلاحهم، و لبسوا البيض و المغافر، و تقلدوا السيوف، و أخذوا الرماح، و تنكبوا القسي، و ركبوا خيولهم، و غدوا فنظر اليهم صاحب الصين فراى امثال الجبال مقبلة، فلما دنوا ركزوا رماحهم، ثم أقبلوا نحوهم مشمرين، فقيل لهم قبل ان يدخلوا: ارجعوا، لما دخل قلوبهم من خوفهم.
قال: فانصرفوا فركبوا خيولهم، و اختلجوا رماحهم، ثم دفعوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا:
ما رأينا مثل هؤلاء قط، فلما امسى ارسل اليهم الملك، ان ابعثوا الى زعيمكم و افضلكم رجلا فبعثوا اليه هبيرة، فقال له حين دخل عليه: قد رايتم عظيم ملكي، و انه ليس احد يمنعكم منى، و أنتم في بلادي، و انما أنتم بمنزله البيضه في كفى و انا سائلك عن امر فان لم تصدقني قتلتكم.
قال: سل، قال: لم صنعتم ما صنعتم من الزي في اليوم الاول و الثانى و الثالث؟
قال: اما زينا الاول فلباسنا في أهالينا و ريحنا عندهم، و اما يومنا الثانى فإذا أتينا أمراءنا و اما اليوم الثالث فزينا لعدونا، فإذا هاجنا هيج و فزع كنا هكذا قال: ما احسن ما دبرتم دهركم! فانصرفوا الى صاحبكم فقولوا له: ينصرف، فانى قد عرفت حرصه و قله اصحابه و الا بعثت عليكم من يهلككم و يهلكه، قال له: كيف يكون قليل الاصحاب من أول خيله في بلادك و آخرها في منابت الزيتون! و كيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرا عليها و غزاك! و اما تخويفك إيانا بالقتل فان لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل، فلسنا نكرهه و لا نخافه، قال: فما الذى يرضى صاحبك؟ قال: انه قد حلف الا ينصرف حتى يطأ أرضكم، و يختم ملوككم، و يعطى الجزية، قال: فانا نخرجه من يمينه، نبعث اليه