تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٣١ - نصر نصر
لا يَدفَعه دافعٌ، و أَهلُ بيتِ المَقْدِس يَأْبَوْن ذََلك، و يزعمُون أَنّ المَسيح إِنّمَا وُلِدَ في بَيْت لَحْم، و إِنما انتقلَت به أُمُّه إِلى هََذِه القريةِ. قال يَاقُوت: فأَمّا نَصّ الإِنْجِيل فإِنّ فيه أَنّ عيسى وُلدَ في بيْت لَحْم و خافَ عليه يُوسُف زَوْجُ مَريمَ من هاردوس [١] مَلِكِ المَجُوس فأُرِيَ في مَنَامِه أَنْ احْمِلْه إِلى مِصْرَ.. فأَقَام بمصر إِلى أَنْ مَاتَ هاردوس.. فقدمَ به القُدْسَ.. فأُرِيَ في المَنَام أَنِ انْطَلِقْ به إِلى الخَلِيل، فأَتَاهَا فسكَنَ مَدينَةً تُدْعَى ناصِرَةَ . و ذُكِرَ في الإِنْجيل يَسوعُ [٢]
الناصريّ كثيراً، و اللََّه أَعلم.
و قال ابنُ دُرَيْد: النَّصارَى منسوبون إِلى نَصْرَانَةَ ، و هي مَوضِع [٣] ، هََذا قَولُ الأَصْمَعيّ، و قيل: هي ة بالشام، و يُقَال لها ناصِرَةُ ، و هي التي بطَبَرِيَّة، و قد تقدّم عن اللَّيْثِ، و قال غيرُه: هي نَصُورِيَةُ ، بفتح النون و تخفيف التحتيَّة، كما ضبطَه الصاغَانيّ. و يُقَال فيها أَيضاً : نَصْرَى بالفَتْح، و نَصْرُونَة ، يُنْسَب إِليها النَّصَارَى . قال ابنُ سِيدَه: هََذا قولُ أَهلِ اللُّغَة، قال: و هو ضَعِيف إِلاَّ أَنّ نادِرَ النَّسَبِ يَسَعُهُ، أَو النَّصَارَى جَمْعُ نَصْرَانٍ ، كالنَّدَامَى جمْع نَدْمَانٍ ، و لََكنهم حَذَفوا إِحدَى الياءَين، كما حَذفوا من أُثْفِيَّة و أَبدلوا مَكانها أَلفاً كما قَالُوا صَحَارَى، و هََذَا مذهبُ الخليلِ و نقلَه سيبويه. أَو النَّصَارَى جَمْعُ نَصْرِيٍّ ، كمَهْرِيٍّ و إِبلٍ مَهَارَى ، فهي أَقوال ثَلاثة.
و النَّصْرانِيَّةُ و النَّصْرانَةُ واحِدَةُ النَّصَارَى ، و أَنْشَد أَبو إِسحاقَ لأَبي الأَخْزَر الحِمّانِيّ، يَصف ناقَتَيْن طَأْطَأَتَا رُؤُوسَهما من الإِعْيَاءِ، فشَبَّه رَأْسَ النّاقَةِ برأْس النَّصرانِيَّة إِذا طَأْطَأَتْه في صَلاتِهَا:
فكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ و أَسْجَدَ رَأْسُهَا # كمَا أَسْجَدَت [٤] نَصْرانَةٌ لم تَحَنَّفِ
فنَصْرَانَةٌ تأْنيث نَصْرَانٍ و لكن لم يُسْتَعْمَل نَصْرانٌ إِلاّ بياءِ النَّسَب، لأَنَّهُم قالُوا: رجلٌ نَصْرانِيّ و امرأَةٌ نَصْرانِيَّة قال ابن بَرِّيّ: قولُه: إِنّ النَّصارَى جمْع نَصْرانٍ و نَصْرَانَةٍ إِنما يُريدبذََلِك الأَصْلَ دونَ الاسْتِعْمَال، و إِنّمَا المُستعمَلُ في الكلام نَصْرانِيّ و نَصْرانِيَّة ، بياءَيِ النَّسب، و إِنّمَا جاءَ نَصْرَانَة في البَيت على جِهة الضرورة. و أَسْجَدَ لغةٌ في سَجَد.
و النَّصْرانِيَّةُ أَيضاً دِينُهُم و مُعْتَقَدُهم الَّذِي يَذْهبون إِلَيْه، و يُقَال: نَصْرانِيٌّ و أَنْصَارٌ ، يُشِير به أَنّ أَنْصاراً جمْع نَصْرانِيٍّ ، بياءِ النَّسَب، كما هُوَ في سائر النُّسَخ هََكذا، و الصَّوابُ أَنَّ أَنْصَاراً جمْع نَصْرانٍ ، بغير ياءِ النَّسَب، كما هُوَ في اللّسَان و التكملة. و ذكر قَوْل الشَّاعِر:
لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطاً أَنْصارَا
بمعنى النَّصَارَى .
و تَنَصَّرَ الرَّجُلُ: دَخَلَ في النَّصْرانِيّة . و في المحْكَم: في دِينِهِم. و نَصَّرَه تَنْصِيراً : جعله نَصْرَانِيّاً ، و منه ١٦- الحَدِيث :
«كلُّ مَوْلودٍ يُولَد على الفِطْرَة حتى يكونَ أَبواه اللَّذَان [٥]
يُهَوِّدانِهِ و يُنَصِّرانِه » .
و انْتَصَرَ الرَّجلُ، إِذا امْتَنَع من ظالمِه. قال الأَزهريّ:
يكون الانْتِصَارُ من الظَّالِم الانْتِصافَ و الانْتِقَامَ. و انْتَصَرَ منه:
انْتَقَمَ. قال اللََّه تعالَى مُخْبِراً عن نوحٍ عليه السَّلامُ و دعَائِه إِيّاه بأَنْ يَنْصُرَه على قَومه: فَانْتَصِرْ . `فَفَتَحْنََا [٦] كَأَنَّه قال لِرَبّه: انْتَقِمْ منهم. و في البصائر: و إِنّمَا قال، انْتَصِرْ ، و لم يقل: انْصُرْ ، تَنْبِيهاً على أَنّ ما يَلْحَقُني يَلْحَقُك من حيث إِنّي جِئْتُهم بأَمْرك فإِذا نَصَرْتَني فقد انْتَصَرْتَ لنَفْسِك.
انْتهى. و في الكتاب العزيز أَيضاً: وَ لَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ [٧] و قوله عَزَّ و جَلَّ: وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَهُمُ اَلْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [٨] قَال ابن سِيدَه: إِنْ قَال قائل: أَهمْ مَحْمودون على انْتِصَارِهِم أَم لا؟قيل: مَنْ لَمْ يُسْرِفْ و لم يُجاوِزْ ما أَمرَ اللََّه به فهو مَحْمود.
و استَنْصَرَه عَلَيْه ، أَي على عَدوّه، إِذا سَأَلَه أَنْ يَنْصُرَه عَلَيْه.
[١] في معجم البلدان: هارودس.
[٢] عن معجم البلدان و بالأصل «ما يسوغ» .
[٣] في الجمهرة ٢/٣٥٩ «منسوبون إلى ناصرة» و ما بالأصل يوافق التكملة.
[٤] في التهذيب: كما سجدت.
[٥] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: اللذان يهودانه، رواه سيبويه هكذا بالرفع لأنه أضمر في يكون على حد قوله:
إذا ما المرء كان أبوه عبس
أي كان هو، أفاده في اللسان» .
[٦] من الآيتين ١٠ و ١١ من سورة القمر.
[٧] سورة الشورى الآية ٤١.
[٨] سورة الشورى الآية ٣٩.