الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣٢٨ - الاستدلال بالسيرة على حجّية الخبر
على التقادير كافّة، فدلالة الآيات على الردع بعيدة بناءً على الاحتمال الأوّل و الثالث، و مقيّدة بأدلّة حجّية الخبر بناءً على الاحتمال الثاني، و أجنبية عن المقام بناءً على الاحتمال الرابع، فتبقى السيرة بعد هذا قائمة على العمل بخبر الواحد و غير مردوع عنها؛ لأنّه لو ردع عنها لوصل، و حيث إنّه لم يصل فهو لم يردع إذاً.
و نفس هذه الاحتمالات تأتي لدفع إشكال آخر يُثار لتصوير الردع عن السيرة، مفاده: إنّ السيرة مردوع عنها بأدلّة الأصول العملية كدليل أصالة البراءة مثل قوله (ص): «وُضع عن أمّتي تسع خصال: الخطأ و النسيان و ما لا يعلمون ...» [١]، أو دليل أصالة الحلية مثل قول الإمام الصادق (ع): «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» [٢]، فإنّ ما لا يعلمه المكلّف مرفوع عنه و لا يؤاخذ عليه بمقتضى الحديث الأوّل، و خبر الواحد ليس بعلم فمفاده مرفوع عن المكلّف و لا يجب الأخذ به، و كذلك الحال في الحديث الثاني، فلو أخبر زرارة مثلًا بأنّ الخمر حرام فلا يحصل منه العلم بحرمته، فيبقى تحت المغيّى أي قوله (ع): كلّ شيء لك حلال لأنّ إخباره لا يحقّق الغاية التي أشار لها الحديث، أي قوله (ع): «حتّى تعلم».
و يمكن أن يقال أيضاً: إنّ خبر الواحد لمّا كان أمارة ظنّية و ليس بقطع و بيان، فيكون مؤدّاه مشمولًا لقاعدة «قبح العقاب بلا بيان». وعليه فلو أخبر الثقة بشيء و لم يرتّب المكلّف الأثر عليه فلا يعاقب؛ لأنّ إخباره ليس بياناً.
[١] الكافي: ج ٢، ص ٤٦٣، ح ٢؛ وسائل الشيعة: ج ١٥، ص ٣٧٠، أبواب جهاد النفس و ما يناسبه، ب ٥٦، ح ٣.
[٢] الكافي: ج ٥، ص ٣١٣، ح ٤٠؛ وسائل الشيعة: ج ١٧، ص ٨٩، أبواب ما يُكتسب به، ب ٤، ح ٤.