الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣٦٢ - تعيين الاحتمال الصحيح
فظهر أنّ الاحتمال الأوّل القائل بجعل الحجّية لمطلق البلوغ لا يمكن الالتزام به؛ لعدم الدليل عليه أوّلًا، و لأنّه يؤدّي إلى التهافت ثانياً.
و بعد سقوط الاحتمال الأوّل عن الاعتبار، لا يبقى مجال للقول بقاعدة التسامح، لأنّ القول بها كما قلنا مبنيّ على الأخذ بالاحتمال الأوّل، و قد اتّضح بطلانه. و أمّا بالنسبة إلى الاحتمالات الثلاثة الأخرى فهي و إن كانت
جميعها لا تثبت المطلوب، و لكنّا مع هذا نحاول تعيين الاحتمال الصحيح الذي نفسّر في ضوئه روايات «من بلغ»، فنقول:
أمّا بالنسبة إلى الاحتمال الثاني الذي كان يقول بأنّ الروايات بصدد إنشاء استحباب واقعيّ فهو غير صحيح أيضاً؛ لأنّه يفترض أنّ المكلّف إنّما يستحقّ الثواب على عمل فيما لو كان مطلوباً شرعاً و مستحبّاً واقعاً، و هذا يعني أنّ استحقاق الثواب لازم لمطلوبية الفعل شرعاً و متفرّع عليه، فحيث إنّ الفاعل يستحقّ الثواب على فعله فهو مطلوب شرعاً إذاً، و مطلوبيّته تعني استحبابه؛ لأنّ الإلزام لا يكفي فيه كون المخبر ضعيفاً.
و جوابه: إنّ ما ذكر من اللازم هو لازم أعمّ؛ لأنّ استحقاق الثواب يمكن أن يكون لأجل مطلوبية الفعل شرعاً، و يمكن أن يكون لأجل مطلوبيّته عقلًا، و هذا يعني إمكانية التفكيك بين استحقاق الثواب و المطلوبية الشرعية، فقد يستحقّ المكلّف الثواب مع عدم مطلوبية العمل شرعاً.
و بعد اتّضاح عدم دلالة روايات «من بلغ» على إنشاء استحباب واقعيّ و عدم دلالتها على جعل الحجّية، ينحصر الأمر بين الاحتمالين الثالث و الرابع.
و الصحيح هو الاحتمال الثالث أي أنّها في مقام الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط، و لكن مع تطعيمه بالاحتمال الرابع؛ و ذلك لأنّ