الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٣ - أضواء على النصّ
و الطريقةُ الأُخرى هي ما يُسمّيهَا المحقّقونَ المتأخّرونَ بقرينةِ الحكمةِ، و جوهرُها التمسّكُ بدلالةٍ تصديقيّةٍ لظهورٍ عرفيٍّ سياقيٍّ آخرَ غير ذلكَ الظهورِ الحاليِّ السياقيِّ الذي تعتمدُ عليه قاعدةُ احترازيةِ القيودِ، فقد عرفنا سابقاً أنّ هذه القاعدةَ تعتمدُ على ظهورٍ عرفيٍّ سياقيٍّ مفادُه: إنّ ما يقولُه يريدُه حقيقةً، و يوجدُ ظهورٌ عرفيٌّ سياقيٌّ آخرُ مفادُه: أن لا يكونَ شيءٌ دخيلًا و قيداً في مرادِه الجدّيِّ و حكمِه و لا يبيّنُه باللفظِ؛ لأنّ ظاهرَ حالِ المتكلّمِ أنّه في مقامِ بيانِ تمامِ مرادِه الجدّيِّ بخطابِه، و حيث إنّ القيدَ ليس مبيَّناً في حالةِ عدمِ نصبِ قرينةٍ على التقييدِ فهو إذاً ليس داخلًا في المرادِ الجدّيِّ و الحكمِ الثابتِ، و هذا هو الإطلاقُ المطلوبُ.
و هكذا نلاحظُ أنّ كلًّا من قرينةِ الحكمةِ التي تُثبتُ الإطلاقَ و قاعدةَ احترازيّةِ القيودِ تبتني على ظهورٍ عرفيٍّ سياقيٍّ حاليٍّ غيرِ الظهورِ العرفيِّ السياقيِّ الحاليِّ الذي تعتمدُ عليه الأُخرى. فالقاعدةُ تبتني على ظهورِ حالِ المتكلّمِ في أنّ ما يقولُه يريدُه، و قرينةُ الحكمةِ
تبتني على ظهورِ حالِ المتكلّمِ في أنّ كلَّ ما يكونُ قيداً في مرادِه الجدّيِّ يقولُه في الكلامِ الذي صدرَ منه لإبرازِ ذلك المرادِ الجدّيِّ، أي أنّه في مقام بيانِ تمامِ مرادِه الجدّيِّ بخطابِه.
و قد يُعتَرضُ على قرينةِ الحكمةِ هذه: بأنّ اللفظَ إذا لم يكن يدلُّ بالوضع إلّا على الطبيعة المحفوظة في ضمن المقيّد و المطلق معاً، فلا دالَّ على الإطلاقِ، كما لا دالَّ على التقييدِ، مع أنّ أحدَهما ثابتٌ