الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٥٤ - اعتراض و جواب
الجواب: لم يدّعِ أحد أنّ مستند المجمعين لا بدّ أن يكون نصّاً روائياً ليشكل عليه بما ذكره الأصفهاني، بل نقول: إنّ المستند هو الارتكاز الشرعي الذي يعتبر أقوى من الرواية. فكثيراً ما تكون سيرة المتشرّعة الحلقة الوسيطة بين الإجماع و الدليل الشرعي، بمعنى أنّ اتّفاق المجمعين على فتوى معيّنة لا يوجد فيها نصّ روائيّ يكشف بنحو قطعيّ على أنّهم استندوا إلى سلوك و ارتكاز من قبل المتشرّعين قادهم إلى الإجماع على تلك الفتوى.
و الشاهد على ذلك: أنّهم لو كانوا قد استندوا في إجماعهم إلى رواية لنقلوها إلينا، حيث إنّهم نقلوا كلّ مستنداتهم و أدلّتهم على فتاواهم. فمن عدم ذكرهم لأدلّتهم في الموارد التي ادّعوا الإجماع فيها نستكشف أنّهم لم يستندوا إلى رواية و إنّما استندوا إلى ارتكاز و سيرة متشرّعية، و هي غير قابلة للنقل لأنّه عمل يمارسه المتشرّعة.
و منه يفهم أنّ الإجماع الذي تكون له قيمة هو الإجماع الذي لا مدرك له؛ إذ يكون عدم المدرك شاهداً قويّاً على استناد المجمعين إلى الارتكاز الشرعي الذي يكشف بدوره عن الدليل الشرعي، و كذلك يفهم ضرورة الاهتمام بكلمات المتقدِّمين من فقهائنا، لأنّ الأحكام الشرعية لم تصل كلّها عن طريق النصوص و إنّما وصلت في بعض الأحيان عن طريق فتاوى المتقدِّمين التي يكون منشؤها سيرة المتشرّعة، فإنّ من غير الخفيّ أنّ بعض الأحكام لم يتسنّ للأئمّة (ع) الإعلان عنها نتيجة لظروف الاضطهاد التي كانوا قد عاشوها في ظلّ حكّام الجور، فكانوا يبثّونها في شيعتهم بنحو الارتكاز القويّ، الذي قدّر له أن يكون منشأً لإفتاء الفقهاء في عصر الغيبة الصغرى و ما بعدها إلى زمن شيخ الطائفة.
فاتّضح من خلال ما بيّناه أنّ سيرة المتشرّعة كثيراً ما تتوسّط بين الإجماع