الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٤٩ - الفرق بين السيرتين
على القدم في الوضوء ببعض الكفّ، فإنّه سلوك شائع بين العقلاء في عصر المعصوم مع أنّ مثل هذا السلوك لا يقتضيه الطبع العقلائي، حيث إنّهم لو تركوا و شأنهم فلربما كان لهم عمل آخر كغسل الرجلين مثلًا بدلًا من المسح أو المسح بكامل اليد و عدم الاكتفاء ببعضها، و لكنّا مع هذا نجد أنّ المسح ببعض الكفّ سلوك عامّ بين المتديّنين في عصر النصّ و حضور المعصوم، و هو ما لا يمكن تفسيره إلّا بالقول بأنّ سلوكهم هذا مستقى من وجود تشريع التزموا به و صارت سيرتهم قائمة عليه، و مثل هذه السيرة هي المسمّاة بالسيرة المتشرّعية.
بكلمة واحدة: إنّ سيرة المتشرّعة هي سلوك يصدر من العقلاء بما هم متشرّعة و أهل دين لا بما هم عقلاء، و سيرة العقلاء هي سلوك عقلائي يصدر من العقلاء بما هم عقلاء.
و من هنا ينبثق التساؤل التالي: ما هو الفرق بين السيرتين؟ و الجواب عنه هو مادّة بحثنا الآتي.
الفرق بين السيرتين
ابتداءً نعيد طرح التساؤل الذي أثرناه في نهاية البحث السابق، فنقول: من المعلوم أنّ سيرة المتشرّعة و سيرة العقلاء ليستا هما الحجّة بنفسيهما، و إنّما حجّتيهما تكمن في كشفهما عن الدليل الشرعي، و بعد كونهما كذلك قد يُقال بعدم وجود فرق بين السيرتين؟
و إجابةً على ذلك نقول: هناك فرق بين السيرتين يتلخّص في أنّ السيرة العقلائية لا تكشف عن الدليل الشرعي مباشرةً، و إنّما تكشف عن إمضاء الشارع المستفاد من سكوته، حيث إنّ المفروض أنّ السيرة معاصرة للمعصوم، فلو لم تكن مرضيّة عنده لردع عنها، فمن سكوته و عدم ردعه