التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٣ - ثانيا العلاقة بين الاجيال المتلاحقة
فهم يقدسون التراث الى حد العبادة، ونجد صورة لهذا الفريق في الذائبين في السلف وافكارهم، يرحبون بحسناتهم وسيئاتهم على السواء، ولا يقبلون ادنى نقد لسلوكهم وافكارهم ومواقفهم، ويعدون الشخص ذا فضل وعظمة لمجرد كونه من الاولين، الذين ادركوا الرسول والخلفاء، او عاشوا في صدر الاسلام ٣- اما الفريق الثالث؛ فهم الذين يقيّمون السابقين بواقعية، ويعرضون افكارهم ومواقفهم على موازين الشرع (القرآن والسنة والسيرة) فما وافقها احترموه وتأسوا به، وما خالفها ضربوا به عرض الحائط، وهم الذين تشير اليهم هذه الآية الكريمة. كيف نعرف ذلك من الآية؟ انهم- حسب الآية- يعترفون باخطاء السابقين، ويتبعون القيم باخلاص وشجاعة، سواءاً وافقت حياة اولئك ام خالفتها. ولكن النقد والانتقاد لا يسقطهم في اعينهم، بل يظلون اصحاب الفضل عليهم، الذين يكنون لهم الود والاحترام. ومن هنا تراهم يستغفرون للماضين من اخوانهم، والاستغفار دليل القناعة بامكانية حدوث الخطأ منهم
وفي الوقت الذي يعترفون باخطاء السلف، ولا يتابعونهم فيها، يسعون بكل ما اوتوا (بالدعاء والعمل) لاصلاح اخطائهم في الواقع الخارجي، ويستغفرون لهم عند الله. وانه سبحانه ليستجيب دعاء الاخ لاخيه، فقد روي عن الامام الباقر عليه السلام، انه قال: اسرع الدعاء نجحا للاجابة،
دعاء الاخ لاخيه بظهر الغيب. يبدأ بالدعاء لأخيه، فيقول له ملك موكل به: آمين ولك مثلاه. [١])
وقد ظهرت بدعة جديدة في عصرنا الحاضر تتخذ من السلف الصالح شعاراً لتأسيس حزب سياسي معين .. ان هؤلاء يرفضون اي تطوير في مناهج الدين، لان اسلافهم لم يشهدوه، ويخلطون بين قيم الدين وواقعيات التراث، وقد يقدسون التراث اكثر من الدين، ولا يفكرون بان التراث الذي يشكله سلفهم ليس كياناً ثقافياً وحضارياً واحداً، فما الذي يقدسونه فيه؟!
لقد تناقضت سيرة السلف الى درجة كبيرة؛ فهل يمكنهم العمل بكل المذاهب والمدارس
[١] بحار الأنوار/ ج ٧٦/ ص ٦٠- وللمزيد راجع ميزان الحكمة/ ج ٣/ ص ٢٨٠/ الباب ١٢١٠.