التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٦ - ثانيا العلاقة بين الاجيال المتلاحقة
فقلت: جعلت فداك؛ ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني او أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي- في وجهي- وصديقي. فقال: نعم يا جابر؛ إن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان، وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه، فاذا أصاب روحاً من تلك الارواح في بلد من البلدان حزنٌ، حزنت هذه، لأنها منه. [١])
٢/ لقد اختار الاسلام كلمة" الاخوة" لبيان مدى العلاقة بين ابنائه، ونسب هذه الحالة الى الايمان لما يلي: حينما اختار المبدأ الغربي كلمة (المواطن) لبيان العلاقة بين أبنائه، إنطلق من فكرة تقديس الأرض وربط الناس بها وبالمصالح المشتركة التي تشد مجموعة من البشر ببعضهم. وحينما انتخب المبدأ الشرقي كلمة (الرفيق) فقد اعتمد على دور المسيرة النضالية في علاقاته الاجتماعية. أما الاسلام فقد اجتبى لنا كلمة الاخ لنعلم ان صلتنا ببعضنا ليست مادية قائمة على أساس تقدير الأرض والمصالح، كما أنها لا تخص حالة النضال ورفاقة المسيرة، وإنما هي مبدئية ناشئة من صلة كل واحد منا بدينه، حتى ليصبح الدين كالأب الذي هوأصل وجود الابن، وكلما قويت واشتدت صلتنا بالأصل، كلما قويت وتنامت صلتنا ببعضنا
ومن هنا جاء في الحديث المأثور عن الامام الصادق عليه السلام، قال: المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد، إذا إشتكى شيئا منه وجد ألم ذلك في سائر جسده. وأرواحهما من
روح واحدة، وإن روح المؤمن لاشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها. [٢])
وإنما نسب الوحي الاخوة الى الايمان (وليس الاسلام)، لأن الاسلام مجرد التسليم للدين، بينما الايمان وقر في القلب يفيض على كل جوانب حياة الانسان. والذي يرفع الناس الى مستوى الاخوة ليس مجرد التصديق بالدين، وإنما تطبيق تلك التعاليم القيمة التي تسقط الحواجز المادية والمصلحية التي تفصلهم عن بعضهم.
[١] تفسير القرطبي/ ج ١٦/ ص ٢٦٦.
[٢] بحار الأنوار/ ج ٧٤/ ص ٢٦٨.