من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٩ - الإطار العام معرفة الله
فالعقل يهدي صاحبه إلى أن الإله لن يكون متغيراً، وأنه فوق القوى .. ومن خلال التطلع والتأكد بأن الظواهر الكونية لا تصلح لأن تكون إلهاً، سيعرف المرء أن الرب الحق هو الذي يهديه إلى نفسه، وأن ما لا يصلح أن يكون رباً، لا يصلح أيضاً أن يكون نصف رب، وأن يشرك به شيئاً، ولذلك يجب رفض جميع الآلهة إلا الله سبحانه وتعالى.
وبعد أن تبين الآيات السالفة قصة المعاناة الشخصية لإبراهيم (عليه السلام)؛ قام هذا النبي الجليل بردّ أقاويل قومه ببساطة حكيمة، إذ أكد لهم في (الآيات: ٨٠- ٨٣) أن الخوف يجب أن يكون من الله لا من القوى المخلوقة له سبحانه، لأن تلك القوى تقع ضمن دائرة إذن الله وعلمه، وأمر أن يعودوا إلى فطرتهم ليتذكروا الحقيقة.
ومن جانب آخر، فإن تلك الرسالة التي أهبطها الله على قلب النبي إبراهيم (عليه السلام) بعد أن وجده أهلًا لها، ثم بعد دخولها مرحلة الصراع المرير، أصبحت اليوم تياراً يهدي به الله مجموعة من الأنبياء العظام .. ولم يكن هؤلاء وحدهم في الساحة، وإنما كان معهم الآباءوالذرية والإخوة الذين اجتباهم الله على علم منه بهم، نظراً لصلاحيتهم للعمل الرسالي (الآيات: ٨٤- ٨٨).
وتذكرنا (الآيات: ٨٩- ٩٢) بحقائق عن الذين يشكلون خط الرسالة، بعد أن أخذ الله على نفسه أن يحفظ ويديم سلامته واستقامته، ليكون قدوة للناس من دون أن يحملهم أجراً، بل ليذكرهم بالحقيقة فقط. ثم هذا الكتاب الذي أنزله، إنما ليكون منهجاً للنمو والرشد والتكامل، وهو في ذات الخط الرسالي المستقيم.
و (الآيات: ٩٣- ٩٤) تشير إلى أن الظلم ظلمان؛ فقد يغتصب الفرد حق صاحبه المادي، وقد يغتصب فكر الناس ويضلهم ويضل نفسه عن الحق ويحرف مسيرة البشرية، وهذا النوع الثاني أكبر خيانة وأخطر ضرراً.
ولكن كيف يختار لنا الشيطان طريق الضلالة والإفك والانحراف عن مسيرة التوحيد و الله هو الذي فلق الحب والنوى، وهو الذي يحيي الموتى ويميت الأحياء .. وغير ذلك من آيات الخلقة العظيمة المباركة؟ (الآيات: ٩٥- ٩٩).
وجاء في (الآيات: ١٠٠- ١٠٣) ما يذكرنا ببعض الصفات الإلهية في إطار ما يعطينا الله من المعرفة بذاته، وأنه كلماازدادت معرفة الإنسان بربه، زادت معرفته بصفاته وأسمائه الحسنى، ومن ثم معرفته بسائر المعارف التوحيدية، كالعدل والنبوة والإمامة والمعاد وغيرها ..
وعادت (الآيات: ١٠٤- ١٠٨) لتذكر المؤمنين بأن الشرك مضلل لأهله، حتى أنهم