من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٦ - دوافع الصراع وآثاره النفسية
اعتداء جارتها عليها، فتتسلح، وحين ترى جارتها عملية التسلح تخشى هي بدورها فتتسلح هي الأخرى فتخشى إحداهما من مبادرة الأخرى بالهجوم فتهجم، فتدافع الأخرى عن ذاتها، وبالتالي تجد أن كلتا الدولتين أقحمت في أتون الحرب من دون إرادة مسبقة لها، بل استسلاماً لدافع الخوف.
من هنا توحي إلينا قصة ابني آدم بأن الخوف من الاعتداء، ليس سبباً معقولًا للاعتداء حيث أن هابيل (القتيل) أجاب على التهديد بالقتل بكلام تربوي، وصرح بعدئذ (في الآية التالية) بأنه لن يمد يده لقتل أخيه.
الثانية: إن الاستعلاء ليس طريقاً للعلو فمن يريد الصعود إلى الجبل لا يكفيه أن يقف على السفح ويمني نفسه بالصعود، أو يعارض من يصعد، بل عليه أن يحرك نفسه ويعمل على تغيير ذاته حتى يصعد. والله لا يتقبل عمل أحد، وبالتالي لايباركه، ولا يوفقه للنجاح إذا لم يغير ذاته ويتق الله.
فمن يعمل من أجل تحصيل العلم ثم لايصل إليه، ويرى الآخرين أصبحوا علماء فليس الطريق الأفضل له أن يعارض العلماء ويناصبهم العداء، بل من الأفضل والأنفع له أن يراجع نفسه ليجد أن فيها خللًا ما منعه عن الوصول إلى العلم، فيصححه، وهكذا إذن يكون منطلق التقدم هو هذا المبدأ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ إذ أنهم وحدهم الذين يصلحون أنفسهم فيساعدهم الله على ذلك.
[٢٨] لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ.
وبذلك صرح القرآن بأن التهديد ليس مسوغاً للمبادرة بالجريمة، وإذا استطاع الإنسان أن يقاوم إغراء التهديد فلا يقتل الناس ولا يشن الحروب الابتدائية ضد الآخرين، لأن نصف الحروب تصبح بلا مبرر وبلا دافع إليها. إذن فما الذي يساعدنا على ضبط الشعور بالخوف من الآخرين، وبالتالي تحديد غريزة المبادرة بعد التهديد؟.
الجواب: هو الخوف من الله فهو خوف يقاوم الخوف من البشر، فلأنك تخشى الناس تريد أن تشن الحرب عليهم ولكنك من جهة أخرى تخاف الله فتحجم عن شن الحرب على عباده، ولذلك قال هابيل إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ولأن الله هو رب العباد فهو يحبهم، ولا يرضى لواحد أن يعتدى عليهم.
و كلمة أخيرة: إن هذا الموقف من هابيل لايدل على الاستسلام للظلم فالإسلام يأمر بكل وضوح وجدية بضرورة مقاومة الظالمين، ولكن بعد أن يبدؤوا فعلًا في ظلمهم أو فيما يؤدي إليه بالتأكيد.