من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١ - التشريعات المالية في الإسلام
البعد الاجتماعي في الحق المالي
[٥] المال حق من حقوق الفرد، ولكنه ملك لجميع الناس، وللناس أن يفرضوا الرقابة عليه لئلا يصبح أداة فساد، ولذلك فإن السفهاء يحرمون من حق التصرف في أموالهم، لأن تلك الأموال هي أموال المجتمع قبل أن تكون للسفهاء.
ولأن المال وضع ليؤدي دور المنظم لأنشطة المجتمع، والحافظ لجهود الناس، فإذا استغله صاحبه في الفوضى والفساد والسلبية والسرف فإنه يفقد دوره ويصيب الضرر جميع أبناء المجتمع، ولنتصور سفيهاً بدأ يشتري البضاعة بأضعاف ثمنها، إنه سوف ينشر الخلل في موازين السوق، وبالتالي يصاب الكثيرون من المحتاجين إلى تلك البضاعة بالضرر الفادح.
من هنا يخط الإسلام خطًّا وسطاً يعترض النظم الاقتصادية الوضعية، فيحفظ للفرد حقوقه، ويعطيه دوافع للإنتاج ومجالًا للاختيار والتحرك، كما يحفظ للمجتمع حقوقه في الرقابة على نشاطات الفرد، وتوجيهها حسب مصلحة الجميع ومن أجل البناء والازدهار.
فتجد التعبير القرآني يؤكد على أن المال ملك للجميع بالرغم من أن السفيه مختص به أكثر من غيره، وبين فلسفة ذلك بقوله وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً.
هذا الغني الذي يصرف أموال المجتمع على متعه الخاصة، بينما كان عليه أن يصرفها في بناء المشاريع العمرانية والإنسانية، وهذا المستكبر الذي يستثمر ثروته في محاربة الرسالة ومقاومة إصلاحاتها، وهذا المترف الذي يشجع الفاحشة ويبني دور اللهو والبغاء والمخدرات، وهذا المفسد الذي يحتكر التجارة لذاته، ويعمل بطريقة أنانية تضر بمصلحة سائر التجار والجماهير، إنهم جميعاً يتجاوزون حدهم، ويتصرفون في أموال المجتمع بما يخالف النظام الذي يستقيم بالمال، ويضارون بالناس. وهنا عليهم أن يقفوا ضدهم ويحجروا على أموالهم ولا يعني ذلك مصادرة أموالهم حتى لا يعطي ذلك مبرراً لبعض المنتفعين بالحكومات أن يتهموا الناس ببعض هذه التهم لمصادرة أموالهم: كلا ... بل يعني وضع أموالهم تحت رقابة هيئة مخلصة تقوم هي باستثمارها في الصالح العام، وتضع الأرباح في حسابهم، بعد أن تأخذ من أموالهم قدراً معروفاً لقاء أتعابها.
وتقوم الهيئة بتوجيه هؤلاء نفسيًّا، وتحاول تربيتهم على الأفكار التجارية السليمة تمهيداً لإصلاحهم، وإعادة أموالهم إليهم. لذلك تجد القرآن يستخدم كلمة (في) ويقول وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ بينما كان من