من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٤ - حينما تكون القلوب في أكنة
بينات من الآيات
العوامل النفسية للكفر
[٢٥] بالرغم من أن الإنسان يملك العقل والسمع والبصر، وبالرغم من أن آيات الحق وعلاماته ودلائله واضحة للعقل، فإن ذلك لا يكفي في إيمان الشخص بالحقيقة، إذ أن هناك إرادة حرة فوق العقل، توجه العقل والإحساس، وفي الطرف الآخر هناك النفس البشرية المليئة بالعواطف والعقد والأمراض. من حب الذات، إلى الاهتمام بالمجتمع، إلى الاسترسال مع التقاليد.
فإذا اختار البشر بإرادته الحرة جانب النفس وأهوائها وعقدها وتقاليدها وأمراضها، فإنها سوف تلغي دور العقل عنده، وتسد منافذ الإحساس لديه، وتغلف قلبه بكثافة حتى لا يتسرب إليه نور الحقيقة.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ إذ أن الإحساس وحده لا يكفي، فقد تسمع آية ولكنك بحاجة إلى قلب متفتح حتى تؤمن بها، فمثلًا إنك بحاجة إلى عدم الإيمان المسبق بكذب الآية، وإلا فإنك لا ترى حاجة للتفكير فيها، وبحاجة إلى سكينة نفسية، وهدوء داخلي يسمح لك بالتفكير في الآية، وكل ذلك غير موجود عند الكافر.
بل قد يتسبب الكفر في أن يتبلد إحساس الشخص أيضاً، فيشعر أن في أذنه وقراً، وفي عينيه ضعفاً، إذ ما دام القلب مغلقاً عن فهم الحقيقة، فإنه لا يشعر بحاجة إلى استخدام الإحساس.
وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً أي ثقلًا لا يمكنهم أن يسمعوا بوضوح.
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ إن القلب المغلق يجعل أحاسيسه في خدمة انغلاقه، وأفكاره الميتة، فالأذن تثقل عن سماع الحقيقة، والعين تعمى عنها، واللسان يجادل ويغالط فيها.
[٢٦] الحق هو ضمان حياة النفس، وتحقيق الذات يتحول في عين هؤلاء إلى بعبع ينهون الناس عنه، ويبعدون عنه بأنفسهم، وبذلك يخسرون ما به حياتهم وشخصيتهم واستمرار كيانهم.
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ لا يشعرون أي خسارة كبرى تلحقهم بابتعادهم عن الحق.