من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٧ - هكذا ترفع المآسي حجب الضلال
فيه، بل برحمته وحسب حكمته يفعل ما يشاء.
وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ما تشركون به من أهواء، وقوى مادية شريرة، فالإنسان يعبد أهواءه، يعبد شهوة الراحة في ذاته، شهوة النزوة، والجنس والخلود، ثم يزعم أن قوى الطاغوت توفر له هذه الشهوات، فيعبد تلك القوى ويصنع لها رموزاً مثل الأصنام وما أشبه، وربما لذلك عبر القرآن الحكيم هنا بكلمة مَا للدلالة على أن ما تشركون به الله هو من الأشياء التي لا تعقل! وهي تعود بالتالي إلى شهوات الإنسان، تلك الشهوات إنما يخضع لها البشر، ويخضع لمن يملكها لأنها- في زعمه- تنفعه، وتحافظ على وجوده وكيانه، وتحقق تطلعاته، فإذا جد الجد عرف أن كل تلك الشهوات لا تنفعه شيئاً، وإنما خالق البشر ومقدر أموره ومدبر شؤونه هو الذي يكشف ضره، فينسى كل تلك الشهوات ويتوب إلى الله سبحانه.
حكمة الشدائد
من الشدائد البسيطة وحتى الآلام، التي تصيب البشر هي توعيته بحقائق الأمور بدءاً من الشدائد البسيطة وحتى الآلام وإلى أن يصل إلى العذاب فالساعة، فمثلًا الحكمة من الإحساس بالجوع هو التفتيش عن مصدر الغذاء، والتحرك إليه، ومن خلال الإحساس والتفتيش والتحرك تنفتح أمامك أبواب المعرفة، ولو لم يكن البشر يحس بالجوع إذا لما كان يعرف جزءاً كبيراً من الحياة ولم يكن يعرف الزراعة والري والصيد .. الخ، وكلما كان حصول البشر على الغذاء أسهل كلما كانت معرفته بالحياة أقل، والألم يجعلك تحس بالحياة بشكل أعمق من ذي قبل إنك لا تعرف أساساً موقع كبدك أو كليتك أو حتى قلبك إلا بعد أن يتألم هذا العضو أو ذاك، وعندئذ تتحسس ليس فقط بوجود العضو، وإنما بأهميته أيضاً، وتتشبث به أكثر.
إن المريض أشد تعلقاً بالحياة، وأرهف إحساساً بأهميتها من غيره، والشدائد في الحياة تكشف نقاط ضعف الإنسان. سواء الفرد أو الأمة، مثلًا. الهزيمة تكشف عيوب الأمة أكثر مما يكشفه ألف كتاب وكتاب.
[٤٢] ولذلك يذكرنا القرآن هنا، بأن الهدف من إصابة الإنسان بالمشاكل، هو نفس الهدف من بعث الرسالات والرسل، إن الهدف من الرسالة هي توعية الإنسان بحقيقة العبودية المطلقة التي يعيشها، والتي هي في الواقع مفتاح صلاح الإنسان وقدرته ورفضه الخضوع للجبت والطاغوت، وكذلك الهدف من الشدائد.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ بالشدائد الآتية من ظلم الناس لبعضهم.