من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٧ - أكابر المجرمين يضللون الناس
التنظيم الهرمي في جهاز الطغاة
[١٢٣] العامل الثاني للكفر هو وجود ماكرين في المجتمع والمكر هو: التخطيط من أجل تضليل الناس بهدف وصول جماعة أو فرد لمصالحهم الشخصية، وفي المجتمعات توجد دائماً شبكة من المجرمين تجمعهم قيادة واحدة تعمل ضد مصلحة الأمة. هذه الشبكة هي التي تشكل واقع السلطة الطاغوتية، وهي تنشأ من فرد أو عدة أفراد زين الشيطان لهم ما كانوا يعملون من سيئات، ثم نظموا أنفسهم في سلسلة هرمية على رأسها اكبر المجرمين.
وَكَذَلِكَ ربما الإشارة توحي بآخر الآية السابقة، أو بها جميعاً، أي لأن هنا جماعة تستحب العمى على الهدى، فقد تشكلت منظمة في كل قرية للمجرمين.
جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وقيادة هذه المنظمة الماكرة إنما هي لأكبرهم إجراماً، فالقيمة بينهم هي قيمة الإجرام، والهدف لها هو المكر والتخطيط ضد الجماهير.
وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ إن الماكرين حين يخططون ضد الناس، فإما يأخذ الناس منهم موقفاً مضاداً ويقضون عليهم فيكون جزاؤهم خزياً وعذاباً أليماً، وإما تسترخي الجماهير، فينزل عليها وعليهم عذاب الله فيدمرهم جميعاً، إذن فعاقبة المكر تعود على صاحبه إما وحده أو مع الآخرين.
والآية هذه تفضح طبيعة السلطة الطاغوتية، وتبين أنها ليست سوى تجمع للمجرمين، وأن قوتها تكمن في خططها الماكرة، وأن قيادتها متمثلة في المجرم الأكبر، وأن الأمة لو عرفت هذه الطبيعة للسلطة الطاغوتية، إذن لتخلصت منها، إذ أن المجرم لو كشف مكره جرد منه سلاحه وسهل القضاء عليه.
[١٢٤] من مكر هذه الفئة السالفة الذكر أنها تتعالى عن الحق، بعد أن تضع على نفسها هالة من القداسة الباطلة، وتنشر بين البسطاء هذه الفكرة الرعناء: لو كانت الرسالة صحيحة، إذا لم يكن ربنا يختار لها إلا واحداً منا نحن الكبار، ولم يكن يفضل علينا واحداً من عامة الناس وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ولكن الله يدحض حجتهم بقوله اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ يجعلها في أيد نظيفة، وجيوب طاهرة نقية، وقلوب زكية، ورجال مخلصين، وليس في أيدي هذه الفئة التي سرقت أموال الناس، وصنعت مجدها على أجسادهم، ثم يهددهم الله بالقول سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ بسبب تكبرهم وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ.