من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٨ - الأفق الإيجابي في تشريعات التوحيد
وتأتي هذه الآيات لتؤكد الفكرة السابقة وهي ضرورة الاستقامة على الخط السليم دون زيادة أو نقصان. لأن الأحكام الشرعية مرتبطة بالمصالح الواقعية التي لا تتغير.
بينات من الآيات
حدود الحرام
[١٤٥] يزعم البعض إن الدين معتقل حصين لطاقات البشر، لا يدعها تنمو وتتكامل، وأن كل شيء في الدين حرام إلا ما استثناه الله، والله سبحانه ينفي هذه الفكرة الباطلة مرة بعد أخرى.
وفي هذه الآية يشرح الله سبحانه أصل الحلية التامة إلا في أشياء معينة، وبذلك يشجع البشر على التمتع بنعم الله، إلا إذا سبب ضرراً بالغاً عليه.
قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أي خارجاً من الجسم باندفاع، أما الدم المتبقي في ثنايا اللحم فإنه معفو عنه.
أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ بالرغم من أن ظاهره طيب، ولكن واقعه رجس، يولد أنواعاً من المرض كما يطبع طاعمه ببعض الأخلاق الذميمة.
أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ إن الذبيحة التي تهدى للصنم حرام لأنها جزء من واقع الشرك فلذلك هي فسق وحرام، ولكن مع كل ذلك فإن هذه المحرمات تصبح حلالًا في حالة الاضطرار إليها، والاضطرار يعني: أن يصيب الفرد في حالة تركه لها ضرر كبير لا يتحمله، فليس بضرر ذلك الذي يلحق الظالم حين يترك ظلمه أو يلحق المسرف والمتجاوز حده حين يعود إلى حده ونصابه، لأن الضرر إنما يقاس بمعيار الحق القائم على العقل والفطرة، وتمييز العرف العام، ولذلك فإن معايير الظالمين والبغاة أو المتجاوزين بالسرف والترف لا تعتبر معايير كافية، ولذلك جاء في تفاسير الصادقين (عليهم السلام)
الْبَاغِي الْخَارِجُ عَلَى الْإِمَامِ وَ الْعَادِي اللُّصُ [١].
ولا ريب أن هذا واحد من المصاديق لهاتين الكلمتين في حين تشمل الآية كل باغ وعاد، وبكلمة إن البغي والعدوان في هذه الآية- حسب ما يبدو لي- مرتبط بالمعيار، فإذا كان معيار الاضطرار سليماً يجوز الاستفادة من هذا القانون وإلا فلا.
[١] تفسير العياشي: ج ١، ص ٧٤.