من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٦ - الشك المنهجي طريق إلى اليقين
الفطرة هي الدليل
إن الفرضيات الباطلة قد يكون بطلانها واضحاً بدرجة أن ردها لا يحتاج إلى دليل، بل يكفي أن تراجع فطرتك لتوضح لك بطلانها، لذلك قال إبراهيم (عليه السلام) بعد أن أفل الكوكب: إني لا أحبه.
فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ الحب هو الفطرة النقية قبل أن يصبح فكرة مستدلة متكاملة، وحين تكون علاقة الإنسان بربه علاقة الحب، حيث يحب الإنسان ربه بصورة طبيعية. ما دام ربه سبحانه قد أغدق عليه نعمه ظاهرة وباطنة فيكون عدم وجود هذا الحب بالنسبة إلى الكوكب دليلا على أنه ليس بآلهة حتماً! لأن الله ينعم على البشر ليلًا نهاراً، أما الكوكب فإنه يأفل نهاراً.
ومن المعلوم أن بعض الناس لا يزالون يعبدون النجوم، ويزعمون أنها ذات أثر فعال في مصير الإنسان، وقد كان عمل إبراهيم ردًّا صارخاً لمثل هؤلاء الذين كانوا موجودين آنئذ.
[٧٧] ثم انتظر إبراهيم حتى بزغ القمر، فإذا بذلك النور الهادئ الذي ينساب على الطبيعة بعفوية وسخاء يعجب الجاهلين، فقال إبراهيم مسايرة لهم تمهيداً لمواجهة جهلهم أو قال استنكاراً فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي وربما يكون بزوغ القمر هو السبب في عدم الرفض المباشر له، وقد يكون تعلق الإنسان بالقمر رمزاً للفرضية الباطلة التي هي ليست إلا مجرد ضغط حالة الشك، وعذاب الفراغ الفكري عند الإنسان.
فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ وهكذا بيَّن إبراهيم (عليه السلام) أن الهدى لابد أن يكون من الله، ذلك أن الشك مفيد في رفض الباطل ولكنه لا ينفع في الوصول إلى الحق وإنما بالتوكل على الله وطلب الهداية منه يتسنى للإنسان الوصول إلى الحقيقة.
بك عرفتك
أما كيف يدرك الإنسان أن القوة التي يجب انتظار دعمها وهو يبحث عن الحقيقة هي قوة الله؟.
- إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [٧٨] إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِنَّمَا أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ بِمَا قَالَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ بُطْلَانَ دِينِهِمْ وَيُثْبِتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَاتَحِقُّ لِمَا كَانَ بِصِفَةِ الزُّهْرَةِ وَالْقَمَرِ وَ الشَّمْسِ وَإِنَّمَا تَحِقُّ الْعِبَادَةُ لِخَالِقِهَا وَخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى قَوْمِهِ بِمَا أَلْهَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَآتَاهُ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ».