من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٥ - الشك المنهجي طريق إلى اليقين
كيف نحصل على اليقين؟
[٧٥] حين تخلص إبراهيم من ضغط مجتمعه أراه الله ملكوت السماوات والأرض المتمثلة في فهم تلك القوة التي تملكها وتدبرها.
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ أي ليخرج من الشك إلى اليقين. إن الذي أوتي قدرة الشك قادر على أن يصل بإذن الله إلى ذروة اليقين، والشك لا يختص بالمجتمع، أو بالمربي، بل وأيضاً بالأفكار السابقة والخاطئة التي يزعم الفرد أنها صحيحة في بعض مراحل حياته، كما نَرَى في قصة إبراهيم (عليه السلام) الشجاعة الكافية في إعلان رفض أفكار مجتمعه السابقة كما نرى لاحقاً، والقصة تستعرض هذه الحقائق في خطوات رمزية قام بها الخليل (عليه السلام).
[٧٦] حين يهيمن الظلام على الكون يبحث الفرد عن أي نور، فيرى الكوكب فيزعم أنه إله لأنه أنقذه من ظلام دامس، وهذه العقيدة العاجلة قد تكون نتيجة هيبة الظلام، والخشية منه.
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي وقد يكون هذا رمزاً لحالة الشك، التي تزعج البشر، فيبحث عن مخلص له منه، فيتعجل بقبول أية ومضة نور تخلصه من حالة الشك، فإذا به يعتقد بأول فرضية تطرأ على ذهنه أو تبرق أمام عينه، ولكن وجود الفرضيات الباطلة عند الفرد ليس عيباً، إنما العيب هو أن يستمر عليها بعد أن تثبت عنده أنها باطلة، وإبراهيم (عليه السلام) كانت له هذه الشجاعة أن يتحدى البيئة الثقافية المحيطة به ويعلن كفره بعبادة الكواكب بعد أن تظاهر بقبولها مقدمة لرفضها [١].
[١] روى الشيخ الصدوق في التوحيد ص ٧٥ عن علي بن محمد بن الجهم قَالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ وَعِنْدَهُ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى (عليهما السلام) فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: «يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَلَيْسَ مِنْ قَوْلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ. قَالَ (عليه السلام): بَلَى. قَال فَسَأَلَهُ عَنْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَ أَنْ قَالَ لَهُ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَقَالَ الرِّضَا (عليه السلام): إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) وَقَعَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ صِنْفٍ يَعْبُدُ الزُّهْرَةَ وَصِنْفٍ يَعْبُدُ الْقَمَرَ وَ صِنْفٍ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَذَلِكَ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرَبِ الَّذِي أُخْفِيَ فِيهِ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأَى الزُّهْرَةَ فَقَالَ هَذَا رَبِّي عَلَى الْإِنْكَارِ وَالِاسْتِخْبَارِ فَلَمَّا أَفَلَ الْكَوْكَبُ قالَ: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ لِأَنَّ الْأُفُولَ مِنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ لَا مِنْ صِفَاتِ الْقِدَمِ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي عَلَى الْإِنْكَارِ وَالِاسْتِخْبَارِ فَلَمَّا أَفَلَ قالَ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ يَقُولُ لَوْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا أَصْبَحَ وَ رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً: قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرَةِ وَ الْقَمَرِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَ الِاسْتِخْبَارِ لَاعَلَى الْإِخْبَارِ وَ الْإِقْرَارِ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ: لِلْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ مِنْ عَبَدَةِ الزُّهْرَةِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ قَالَ يَا قَوْمِ-