من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٤ - هكذا تجلى الرب
بأمره، والرابطة الوثيقة بين الإنسان وبين الكون هي أنهما معاً مخلوقان لله، مدبَّران بأمره سبحانه.
ولكن الإنسان يملك- بإذن ربه- ميزة أساسية بين الخلائق، وهي أنه سيدها الذي سخرها الله له، ولذلك فهو يحمد ربه. وإذا أراد الإنسان أن يكرس في ذاته صفة السيادة على الكون، فليس عليه سوى المزيد من الارتباط بربه الذي سخر الكون لأمره.
بينات من الآيات
[١] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ إن الله سبحانه لم يهب السماوات والأرض خلقهما فقط، بل قدر لهما أمورهما، ونظم شؤونهما، فكل شيء في السماوات والأرض محدود بحدود معينة حددتها حكمة الله، وعلمه الواسع، وقدرته المطلقة.
فالشمس لها وزنها وسعتها، وحرارتها وكثافتها، ومدارها ومجراها، ونهايتها وبعدها عن سائر الشموس السابحة في الفضاء. كذلك الأرض والقمر والكواكب والنجوم، وهكذا الحال لكل شيء موجود في الأرض، حتى الذرة لها حدودها التي لا تتجاوزها.
وعندما نقول: حدودها نعني: أن كل شيء ينتهي وجوده عند حد معين، وبعدئذ لا يملك وجوداً أو بتعبير آخر: ينعدم في خارج حده، مثلًا: التفاحة موجودة في مساحة معينة وفي وقت محدود. أما فيما وراء تلك المساحة، وذلك الوقت فلا وجود للتفاحة، كذلك فإن الله قدر- بحكمته وقدرته- الوجود والعدم، فجعل كل شيء موجوداً في حدود معينة، وجعله معدوماً فيما وراء ذلك. إذن فهو جاعل العدم والوجود، ومقدرهما ومدبرهما.
وربما يشير إلى هذه الحقيقة قوله تعالى وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ذلك لأن الظلمات رمز لكل عدم، بينما النور رمز لكل وجود.
أمام هذه القدرة والحكمة المطلقة، لا يسعنا إلا الحمد، والحمد هو ذلك الموقف الرشيد الذي لابد أن نتخذه من ربنا، ولكن كم هو بعيد وشاذ موقف الكفار حيث يشركون بربهم، ويضعون الله سبحانه عدلًا للأنداد من دونه. تعالى ربنا عما يصفه المشركون! ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
الشك لماذا وكيف؟
[٢] إن الإنسان في هذا الكون الواسع محاط بقدرة الله، وما عليه إلا أن يعرف هذه الحقيقة، ويعترف بها، ولا يرتاب فيها ولا يشكك نفسه في ذلك، لان الشك قد يكون عفويًّا،